التقيته قبل حوالي عامين بعد زمن طال أكثر مما نستحق. دخلت إلى مكتب المسئول عن مركز أبحاث المدينةالمنورة ووجدته هناك. لم يتغيَّر كثيراً وإن كنت عرفته قبل كل شيء بنبرة صوته الخاصة. أراد المدير أن يعرِّفنا ببعض وفوجئ به وهو يلقي بي في حضنه للحظات عفَت عن كلِّ ما مرَّ من ابتعادنا. وانطلق يتحدَّث وكأنه كان يختزن ذلك الحديث الطويل كلَّ تلك السنوات. تحدَّث عن أبي، رحمه الله كثيرا وعن جوارنا المتباعد في حارة العوالي وعن الحياة في ذلك الزمن الأجمل. قلت له أني كنت في صغري أصل إلى ظل بيتهم ذي الأشجار الوارفة لأدق الباب على بيت العم حمزة عينوسة، رحمه الله مرسولاً بدعوة من والدتي إلى زوجته العصيَّة على النسيان. ضحكنا كثيراً، وقلت له إني لا أعرف الكثير عن ذلك الجانب من الحارة وعن علاقتهم بجيرانهم وعن أبيه وشدَّته الحانية. وعدني أن يجيب شرط أن يكون ذلك في داره وترك لي اختيار الوقت. "هيا ياعمِّي".. ورجع ليكمل حديثه بشجنٍ حميم مستعرضاً المعلومات التي أضافها لصورةٍ بانورامية جميلة للمدينة المنورة. أضاف إليها ما لم يستطع أحد أن يفعل مستدرجاً ذاكرة من بقي ومسافراً إلى القاهرة وإسطنبول وغيرهما بحثاً عن مزيدٍ يكمل به تلك الصورة ومجموعته التي لا تقدِّر بثمن. اقترحت عليه أن يخرج تلك المجموعة في كتابٍ غير الذي صدر قبل زمن، بحيث يضيف إليه ما تجمَّع من جميلٍ مُهم لا أهمَّ منه إلا تلك المعلومات الدافقة عن المدينةالمنورة ومعالمها وشخصيَّاتها التي يتحدث عنها وكأنَّه أمرٌّ مُسلَّم. تحدث عن تجربته الطويلة مع المحكمة وكتابة العدل فيما يتعلق بقضايا الأراضي وحجج الاستحكام إذا لم يكن هناك مسَّاح بقدرته وكان يفخر أن ترخيص مكتبه المساحي رقم 1. قال أشياء كثيرة.. أقصد بداياتٍ لموضوعات كثيرة: عن الشيخ عبد العزيز بن صالح وقضايا معقدة، وعن توسعة المسجد النبوي وكيف تم هدم المئذنة السليمانية التي ارتجَّت المدينة حين دفع بجزئها العلوي المعلِّم محمد بن لادن إلى الأرض. وحانت المغادرة ولم نشف بعد مما عنده. التقينا مرات بعدها، وأصرَّ على دعوتنا إلى مكتبه. كان تقليديَّا في مظهره، إلا أنه فاجأني بأخذه بكثير من التقنيات الحديثة في حفظ الخرائط والمعلومات. واستمرَّ يُدخل يده ليخرج خريطةً أخرى أو صورةً مختلفة وكأنه يدلف إلى الكيس السحري الذي لا ينفد ما فيه. كان من أجمل ما رأيت المخطَّط المساحي الذي تم بناءً عليه بدء التوسعة الأولى للمسجد الشريف. حين استغربت وجودها ضحك قائلا "إنت جاي تحسدني"! في مرة أخرى كان اللقاء انفراديَّاً والشجن مزدوجاً. فتح قلبه ليعرض برضا تامٍ بعض ما مرَّ به مما تمتليء به الدنيا من قسوة. قال لي إن ظهره كاد أن ينكسر "بس ربَّك سلَّم"، وأن الأمور بدأت تعود إلى مسار من وعد جميل. لا أحد يعرف المدينةالمنورة كما يعرفها.. فهو بالفعل لا بالقول ذرع أزقَّتها وشوارعها وحاراتها ووثَّق ذلك في مخطَّطات احتفظ بها لعشرات السنين. كان كلُّ شيء فيه مدني.. من مظهره المتبسِّط إلى نبرته الخاصة إلى ثقته الموغلة في حسن الظن، إلى ضحكته التي تبدأ من القلب لتنتهي إليه. كان أبقى من رائحة النعناع وأندى من "دورق" من دوارق الحصوة! اتصل بي مرَّة كعادته في السبق لا لشيء إلا للسؤال الأخوي، ثم خطر بباله أن يؤكِّد لي دون أن أدعوه قائلاً: "ما أحد غيرك راح يطبع لي الكتاب".. وقلت له أني لن أسمح لأحد أن يفعل. ودون مقدِّمات بدأ يسرد حديثا عن الحارة وأهلها، وعن الوجوه الطيِّبة التي تمنَّى أن لديه صوراً لها لتكتمل الصورة التاريخية بالمدينة وناسها. قلت له أن يدوِّن ما لديه فاعتذر بتواضعه الذي كاد أن ينكر فيه أن لديه ما يستحق وبعد جدلٍ اتَّفقنا أن يكتب بغضِّ النظر إن كان سينشر أم لا. تلك المرة فقط التي شعرت أنه أخذني "على قد عقلي".. ومضى. نويت أن أسبقه بالتهنئة بشهر رمضان الماضي وسبقني أيضا بالتهنئة قبله بيومين رآها كما قال "قبل الزحمة". كالعادة طال الحديث بعض الشيء مع بهجةٍ كانت تبدو في روحه وكلماته مبشراً بأن الأمور بحمد الله آلت إلى انفراج. وحين دعوته لزواج ابني بعد العيد سرَّ بقدر سروري.. وللحظةٍ شعرت أنه ربَّما كان أشد.. ووعد بأنه سيكون معنا في استقبال المدعوِّين وأنه سيدعو "نص المدينة" فهذا زواج ابنه. وقبيل العيد سبقني مبادراً بالسؤال عما قد نحتاج وموَّثقاً عزمه على الحضور بكلِّ كلمات الوعد الممكنة. وفي ليلة الفرح جاء اتصاله "ما أدري إيش أقول لك.. بس الحريم غلبوني"، واعتذر بأنه سيسافر إلى الخارج مُقْسماً أنها ضرورة "حكم القوي على الضعيف". دعا بالتوفيق كأجمل ما يكون الدعاء وافترقنا على أن اللقاء القادم على "عشوة" في داره نبحث فيها ما تراكم من وعود. عند أذان فجر الأحد كنت أقرأ الرسالة: "عم صالح حجار في ذمَّة الله".. سبقتني مرة أخرى.. ياعم صالح!