لو عاد الروائي العربي المصري إبراهيم عبدالمجيد إلى مدينة تبوك اليوم لكتب رواية أخرى غير روايته التي كتبها عنها التي حملت اسم (البلدة الأخرى)، ودارت أحداثها في تبوك وهو الذي كان يقيم فيها قبل أكثر من ثلاثين عاما، فلو جاءها اليوم لعاد يكتب عن مكان له ألقه الخاص وفضاءه المبهج ومدينة حضارية تسابق الزمن بتكامل مؤسساتها ومنجزاتها التنموية منفتحة على الآخر العربي عبر ثلاثة منافذ حدودية مع الأردن وبلاد الشام وجمهورية مصر العربية، وليست تبوك هي ذلك المكان الذي يطغى على الإنسان فيقسو على ملامحه لكنها الرواية في عالمها الواسع والمتخيل والافتراضي وهي التي ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وتبوك اليوم ليست هي (البلدة) الأخرى كمايقول الروائي عبدالمجيد بل المدينة الأخرى المترامية الأطراف التي تجاوز سكانها المليون نسمة والتي تعيش حراكا ثقافيا وحضاريا متنوعا يقف خلفه أميرها المثقف سمو الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز وهو الذي كان ومازال داعما للمشاريع الثقافية والحضارية بالمنطقة، ولازالت تبوك تذكر قبل خمسة وعشرين عاما حين كانت المنابر الثقافية والأندية الأدبية تتعامل بحذر مع طروحات المثقفين الحداثيين إبان ظهور أدب الحداثة في بلادنا حيث كانت تتوجس بعض المنابر الأدبية من حضور الأدب الحداثي وترفض دخوله إليها فلم ترفض تبوك ذلك الأدب فكانت مدينة تسابق الحداثة بوعي جديد فأقيمت فيها ندوة بعنوان (ماهي البنيوية) وكانت ندوة ثقافية صادمة آنذاك لمن حضرها وتحديدا في العام 1409ه لرمزين نقديين كبيرين هما الدكتور عبدالله الغذامي والدكتور سعيد السريحي وكان فهد بن سلطان هو من وافق على استضافتها ورعاية الندوة، فلم يكن في تبوك ولا في المناطق الشمالية حينئذ أي حراك ثقافي ولا إبداعي ولم يكن هناك أي وجود للمؤسسات الثقافية فلا ناد أدبي ولا جمعية للثقافة والفنون ولاجامعات سوى كلية متوسطة كانت تمنح الدبلوم وكانت المدينة ناشئة تفتش عن نفسها في المجال التنموي وتتهجى المشهد الثقافي في ذلك الحين لخلق وعي جديد بين الشباب لكن طموحات أميرها كانت أكبر بكثير فأنشأ جائزة فهد بن سلطان للتفوق العلمي والتي ساهمت في خلق أجواء تنافسية علمية بين الطلاب والباحثين وكانت الفعاليات الثقافية والإبداعية التي تقام على هامش حفل الجائزة أكثر أهمية في الحراك الثقافي. وكان ولازال محبا للثقافة والمثقفين فهو يحضر ويرعى الفعاليات والمشاريع الثقافية ويتبناها ويدعمها ويحضر الأمسيات الشعرية وهو يصغي جيدا للشعراء الشباب حتى في المناسبات التي تستضيفها تبوك فهو له رؤيته الخاصة في النصوص المشاركة والقصائد فلا غرابة أن يدعم ندوة (ماهي البنيوية) في تلك الفترة المهمة. وتبوك هي المدينة المحرضة للكتابة والإبداع وهي التي خرج من فضائها الممتد الشاعر عبدالله الصيخان والشاعر منصور الجهني والشاعر علي باراجي والشاعرة خديجة العمري والشاعرة فاطمة القرني والروائية ليلى الجهني وقبلهم الشاعر الراحل سليمان المطلق. واليوم تبوك تقدم لمشهدنا الثقافي العديد من الأسماء والرموز من الأدباء والأكاديميين و المبدعين من الشعراء والروائيين وكتاب القصة والإعلاميين. إن تبوك أثناء ندوة (ماهي البنيوية )تعاطت الحداثة كنص نظري انطلق إليها من زوايا بعيدة وبدأت تتعاطى الحداثة كمفردات حضارية وكمشهد جديد فتحت له أبوابها وحتى منافذها الحدودية للعبور إليها بهواء جديد. [email protected]