كانت ليالي رمضان مزدهرة دائماً بالسهر، فهي عند الكبار تعني الانصراف الى حلقات الذكر في المساجد أو التزاور لتجديد التعارف وتوثيق العلاقات الأسرية والاجتماعية، أو ارتياد الأسواق لاختيار الملابس الجديدة ضمن الاستعدادات المبكرة للعيد. أما عند الصغار فإن الألعاب الشعبية تحتل جزءاً كبيراً من أوقات الفراغ في الليالي الرمضانية، وخاصة في الليالي المقمرة، عندما تمتلئ بهم الساحات العامة أو «البراحات»، بعد صلاة التراويح، وغالباً ما يكون في كل حي أكثر من «براحة» وهي المكان الفسيح الذي تحيط به المنازل، وتقام فيه الاحتفالات العامة. وهذه الألعاب تشترك فيها مجموعات من الصغار.. تمارس أكثر من لعبة، فتمتلئ «البراحة» بصخبهم ولهوهم البرىء، حتى ليخيل للناظر أن هذه «البراحة» مدينة ألعاب شعبية لكثرة ما يتوافد عليها من الأطفال، ولكثرة الألعاب التى يمارسونها.. وأحياناً تتكون فرق من أحياء أخرى لتمارس نوعاً من الألعاب الجماعية مع فريق من الحي، وفي النهاية يشيّع الفريق المهزوم بأهازيج شعبية تعبر عن الشماتة، تقابلها أهازيج أخرى تتوعد برد الهزيمة والانتقام لسمعة الفريق المستباحة، وأحياناً ينتهي الأمر بعراك بالأيدي يمتد الى التراشق بالحجارة حيناً وبالكلمات النابية في بعض الأحيان وفي اليوم التالي يلتقي الطرفان على وفاق تام. هذه الألعاب تهدف في جملتها إلى التسلية البريئة كما تهدف الى تعويد الصغار على ممارسة أنشطة بعضها شبيه بالنشاط الرياضي وبعضها شبيه باختبارات الذكاء، فهي جميعاً تشحذ الهمم وتنمي الذكاء وتساعد على تآلف الصغار أما إذا استحكم الخلاف بين اثنين من الصغار فإنهما يعلنان القطيعة بأن يضع أحدهما أصبعه الخنصر معقوفاً في الأصبع الخنصر للآخر، وبهذه الحركة تعلن القطيعة بين الاثنين، لكنها قطيعة لا تدوم، فما أن يعلم الرفاق بأمر هذه القطيعة حتى يسارعوا الى الصلح بين الاثنين، وهو جهد يكلل بالنجاح دائماً. والباحث فى أمر هذه الألعاب الشعبية يجد لها جذوراً في التاريخ العربي، وبعضها كان يزاول منذ أيام الجاهلية، وقد وردت اشارات لبعضها في لسان العرب والقاموس المحيط، وبالرجوع الى كتاب «لعب العرب» لأحمد تيمور باشا يمكن اكتشاف التشابه إن لم نقل التماثل بين ألعابنا الشعبية وبين تلك الألعاب التى كان يمارسها العرب قديماً، وهي وإن كانت في طريقها للانقراض، لكنها لاتزال تمارس في القرى والاحياء الشعبية، ويبدو أن فرصتها في البقاء أضحت ضئيلة أمام الألعاب الالكترونية والكهربائية وألعاب الكمبيوتر التى يحفل بها هذا العصر. فألعابنا الشعبية تحظى أو كانت تحظى باهتمام الصغار وأحياناً الكبار أيضاً على مدار العام، لكنها في رمضان تكتسب طابعاً خاصاً، فيه ما فيه من عدم الضغينة وعدم الإساءة للآخرين، والابتعاد عن التشاحن وترك الخلاف بين الصغار. وهناك بعض الألعاب التى تكتفي بترديد بعض الأهازيج الشعبية التى يتبارى الصغار في حفظها، أما الألعاب التى تحتاج الى جهد عضلى أو تلك التى تشبه الألعاب الرياضية فمنها: الهول وشعرور والغميمة والزنبور والحيزكة واللقصة والتيلة. وغيرها، وهناك ما يفوق الخمسين لعبة من هذه الألعاب الشعبية المنتشرة في شرق الجزيرة العربية، وبعضها يختلف في الاسم لكنه يتفق في الشكل والمضمون. وهذه الألعاب تهدف في جملتها إلى التسلية البريئة كما تهدف الى تعويد الصغار على ممارسة أنشطة بعضها شبيه بالنشاط الرياضي وبعضها شبيه باختبارات الذكاء، فهي جميعاً تشحذ الهمم وتنمي الذكاء وتساعد على تآلف الصغار. وتستمر هذه الألعاب عادة الى أن يحين وقت الجولة المعتادة للمسحراتي «أبو طبيلة» وحينها ينصرف الصغار عن هذه الألعاب للحاق به، في مهرجان احتفالي يتكرر كل ليلة من ليالي الشهر الكريم.