أمانة جازان تنفّذ خططها الميدانية لمعالجة تجمعات المياه    السعودية: بدء أعمال صيانة للكعبة بأحدث التقنيات والمعايير    صادرات كوريا ترتفع بنسبة 36.7%    أمير حائل ونائبه يقدّمان واجب العزاء لأسرة الرخيص .    "دور الريادة" تطلق برنامج "ما قبل الاحتضان 2026"        اللغبي يرأس اجتماعًا تنمويًا ويكرّم الذروي بقوز الجعافرة    اسعار النفط تتجاوز 100 دولار    المملكة تستدعي سفيرة العراق على خلفية الاعتداءات السافرة    تصعيد محتمل بعد تعثر المفاوضات.. وترمب: بدء «الحصار البحري» على مضيق هرمز كورقة ضغط    روسيا وأوكرانيا تتبادلان الاتهامات بخروق هدنة الفصح    ضبطت 24 مواطناً وتلاحق متورطين خارج البلاد.. الكويت تحبط مخططاً لتمويل الإرهاب    سيدات القادسية يتوجن بالبطولة السعودية لكرة السلة (3×3)    شركة تفصل موظفة وتستدعيها لتدريب بديلها    قبل مواجهة البايرن الحاسمة.. آخرها مبابي.. الضربات تتوالى على ريال مدريد    موجز    اتحاد الحى    نجاح القدرات التشغيلية والفنية..«الطاقة»: استعادة الإنتاج والضخ الكامل لإمدادات «شرق – غرب»    اختتام برنامج "احتواء اليوم.. تمكين الغد" بحضور أكثر من 2000 مستفيد    مجمع الملك سلمان يناقش الحقوق اللغوية للصم    المظالم: إنهاء خدمة موظف لعدم قيامه بمهامه    حين يفشل السام في السيطرة.. يبدأ بتشويه الصورة    رسالة من إفريقيا    يوثق مسيرة حافلة بالإنجازات والأعمال المؤثرة.. اصدرته مؤسسة التراث.. تدشين كتاب الأمير سعود الفيصل    أكد أنها امتداد لعناية القيادة بالحرمين.. السديس: صيانة الكعبة المشرفة تجسيد لإجلال البيت العتيق    مسكن ألم شائع قد يؤدي إلى تلف الكلى    تكليف عبدالعزيز عبدالباقي متحدثاً رسمياً للصحة    مختص يوضح تأثير القهوة بالقرنفل على سيولة الدم    أزمة الوعي العربي    آميدي رئيسا للعراق.. تحول سلس وملفات ثقيلة    حوار وتهديد .. بكين تقدم 10 إجراءات تحفيزية لتايوان    "حصاد دوري يلو" 28 هدفًا في الجولة 28 وسيلا سو يتصدر الهدافين    الوطنية بين القيمة والقناع: قراءة في مقولة جونسون وتجربة الإخوان    15 مليار ريال لمشروعات البناء والتشييد المرساة خلال شهر    فيصل بن فرحان يتلقى اتصالًا هاتفيًا من نائب رئيس الوزراء وزير خارجية الأردن    أمانة الرياض: تسعة آلاف فرد وألفا آلية شاركوا في التعامل مع الحالة المطرية    المملكة تقدم الجامعة الإسلامية أنموذجاً عالمياً للتسامح    ختام ملتقى قراءة النص بتسع توصيات    جائزة الملك فيصل والمركز يدعوان إلى محاضرة عن البلاغة العربية    وصافة الدرعية في اختبار الزلفي.. وتطلعات الجبلين أمام تواضع الجبيل    منح وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الثالثة ل 200 مواطن ومواطنة لتبرع كل منهم بأحد أعضائه الرئيسة    أمير الجوف يطمئن على صحة العتيبي    إصرار الرياض يُفجر نتيجة تاريخية    جلوي بن عبدالعزيز يتابع سير أعمال مدينة نجران الصحية    "يايسله" يؤكد قوة الدحيل ويشدد على جدية الأهلي قبل موقعة نخبة آسيا    أمير جازان يتسلّم التقرير السنوي لجوازات المنطقة    منتدى العمرة والزيارة يبرز العمرة الخضراء ويطلق منصة «إي جيرني»    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمشروع منتجع الحريد    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمشروع منتجع الحريد    استخدام الرموز التعبيرية يغير تقييم مهنيتك    بطاطا مقرمشة بزيت أقل    هيئة التراث ترصد 20 مخالفة طالت مواقع التراث الثقافي خلال شهر مارس 2026    الشؤون الإسلامية بجازان تنفّذ 405 فرص تطوعية خلال مارس بمشاركة أكثر من 2100 متطوع ومتطوعة    «البلشون الأبيض» يحضر في موائل «الشمالية» الرطبة    خطيب المسجد الحرام: لا تغرنّكم الحياة الدُنيا فنعيمها لا يدوم    إمام المسجد النبوي: أشد الناس حبًا لله أعرفهم بأسمائه وصفاته    أمير الجوف يعزّي مدير الدفاع المدني في طبرجل    تفعيل معرض "ولاء" بهيئة الأمر بالمعروف بجازان لتعزيز الوسطية والأمن الفكري بالكلية التقنية بأبو عريش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نزهة في سبعة أيام
نشر في اليوم يوم 06 - 09 - 2012

في هذه الصفحة، نبحر أسبوعيًا مع كاتبنا الرشيق، نجيب الزامل، مستدعيًا يومياته، التي يلخصها لقراء (اليوم) في سبع تجارب ذهنية وفكرية، يثري بها الأفق السياسي والفلسفي والتاريخي والجغرافي والثقافي. إنها تجربة يتحمّلها الزامل وربما نتحمّلها نحن بإسقاطاتها، وتداعياتها وخلفياتها، حتى لا يكون في العقل «شيءٌ من حتى».
كما الكونُ.. كما نحنُ
اليومُ الأول:
الكون مادة وطاقة، ونحن أيضا مادة وطاقة. فالكون مادةٌ بأجرامِهِ ومجرّاتِهِ ورواجمِهِ ونجومِهِ، وطاقتِهِ المحرِّكة التي لا تُرى، هي كالروحُ التي لا تُرى وتحرك كل الحياة. إنها ثنائية الكون.. كثنائية كل إنسان، بل كثنائية أي مخلوق: جسمٌ وروح. والطاقة كالروح لا تُرى ولا توزن ولا تذاق. الطاقة كالروح تتقمص الأشياءَ، والأشياءُ هي التي تدركها الأبصارُ، بينما تبقى الطاقةُ والروحُ لا يدركهما بصر. هذه الكرة الصغيرة تتدحرج، ونراها تتحرك.. ولكن ما الحركة؟ سؤالي عن الحركة كسؤالي عن الروح؛ علمُها عند ربي.
وهذه النجوم في قبّةِ الكون المطبق الصمت، وتلك المجرات السابحات تسلك مسالكها في الكون الهائل، تدفعها طاقةٌ، بل طاقاتٌ.. نحس آثارَها ولا ندرك جوهرَها. والحرارةُ كالحركة وكالروح، وكالحرارة الضوء. طاقاتٌ هي المحرك الأول والأخير بإرادة خالق الأكوان، وهي البواطن وهي الظواهر.. إنها الأرواحُ لكلِّ تلك الأبدان.
أنستاس الكرملي، الراهبُ المسيحي ألذي أوقف حياته على خدمة القرآن:
اليوم الثاني
نسَبُ هذا الراهب عربيٌ قحٌّ من «بني مراد» من بادية الشام، سكنت عائلته لبنان لفترة حتى قرر جده أن ينتقل لبغداد وتزوج وأنجب هناك، وكان أحد أولاده واسمه ميكائيل أنجب له حفيدا في وسط ستينيات القرن التاسع عشر وسماه الجدُّ «بطرس»، وأُلْحِقَ «بطرس» في الثامنة من عمره بمدرسة الآباء الكرمليين من الطائفة الكاثوليكية. وفي مدرسة الآباء الكرمليين بدأت عليه سماتُ النبوغ في اللغات السريالية والفرنسية ولكن عشقه للغة العربية ملَك عليه وجوده، حتى أن المدرسة تغيرت لغتها بفضل ذلك الطالب الفذ العقل والفولاذي التصميم. ثم رحل صاحبُنا لبيروت لأن الكنيسة اليسوعية الأكليريكية (يعني اللي يتخرج منها يصير عالم دين) احتاجت تقوية مواد اللغة العربية لغرض الدعوة والرجوع للمخطوطات المسيحية القديمة فلم تجد أفضل منه، وفاجأ الجميع بإتقان اليونانية واللاتينية حتى صار مرجعا لهما يأتونه من اليونان وإيطاليا للمناقشة معه في أصل جذور اللغتين. رجع لبغداد فأَسند له الآباءُ الكرمليون تدريس اللغات الفرنسية والعربية، وكان فرنسي اسمه بيير فوكوي وهو لغوي اجتمع بأنستاس قال: «كنت أظن «فكتور هوجو» ضليع زماننا بالفرنسية حتى اجتمعتُ بهذا العبقري العراقي.» طيب، كيف نكتب بالعنوان أن اسمه «أنستاس»، ثم نجد أن اسمه بطرس؟ أقول لكم؛ ترك العراق لأنه اراد أن يصير راهبا مكرسا نفسه للرهبنة، فذهب لبلجيكا في ديْرٍ للآباء الكرمليين، وبرع في دراسة الفلسفة واللاهوت والفقة المسيحي ولمّا يأتي العامُ 1893م حتى رُسِّمَ «بطرس» كاهنا باسم «الأب أنستاس» ثم لم يعد يُعرف إلا بهذا الاسم.
دعني أقل لك إن العربَ لم تخرج لغويا ألسُنيا كأنستاس الكرملي، فقد أتقن وبحذاقة اللغات اللاتينية والإنجليزية واليونانية والإيطالية والفرنسية والأسبانية والآرامية والحبشية والتركية والفارسية والصابئية، وعمل دراسة لها كلها مقارنة بمعشوقته الفريدة اللغة العربية.. إن لم تصدقوا فلن ألومكم. بلغ حب الأب «أنستاس» وشغفه بلغة القرآن درجة الصبابة والعشق والهيام، فألزم نفسه بل أوقف حياته منذ ريعان صباه في خدمة اللغة العربية والذود عنها وكان حرصه عليها يفوق الوصف، وليت المكان يسع لأنقل بعض قصص تعلقه الغريب باللغة العربية. وقف طوال حياته سيْفا مُصْلتا على كل رأس يناوئ هذه اللغة، أو يعيب فيها أو حتى يلحن بها، حتى قيل جُنّ «انستاس» بداءِ الهَوى. لطالما وقف هذا الأبُ المسيحي فوق منابر يزورها بدول متعددة ليقول إن اللغة العربية أسمى اللغات على الإطلاق، بل قال بمؤتمرٍ ألسُني بأمستردام: «كلكم عالة على اللغة العربية، إن اللغة العربية هي مفتاح كل اللغات.» ثم لا يجندله أحدٌ في الإثبات. لم يكتف الأب «أنستاس الكرملي» بالدفاع عن حياض اللغة والإشادة بفضلها ومقامها على باقي اللغات، فأصدر مجلة «لغة العرب» التي شاعت وسادت على كل المجلات في العقد الأول ومنتصف الثاني من القرن العشرين حتى أوقفها الأتراك الاتحاديون ونفوه إلى الأناضول، كان الأتراك الاتحاديون وقتها يعملون على نشر اللغة التركية وإبادة الحرف العربي ونشر الحرف اللاتيني. ثم لما عاد بعد الحرب الأولى للعراق نفّذ مجلته ثانية وازدهرت أيما ازدهار، ولكن جاءته ضربات من أكثر من جهة معادية للعربيّة فاختفت تلك المجلة التي كانت أرقى المجلات العربية وأغزرها مادة وأعمقها نفعا.
والأب «انستاس» دمه عراقيٌ حارٌ يغلي في النقاشات، ويوما وجد على المفكر الفخم «عباس العقاد» خطأ لغويا، والعقاد من أصل كردي ذو دمٍ حارٍّ فوار فثار بينهما عراكٌ لغويٌ وفكريٌ مخيف.. ربما حكيتُ لكم عن تلك الحرب الضروس في وقت آخر.
من الشعر الأجنبي- أترجمه بتصرف: «دربٌ يأخذني إليكِ..»
اليوم الثالث:
I know road that leads into a city,
Also a lane that finds a cooling stream,
Where ferns may look down at their green reflection
And sway with the winds and dream- and dream.
I know a path that leads into a forest,
Lined with purple shadows of night,
While poplars bend somewhere along a hilltop
Ringing their silver bells in quick delight.
I know a trail that dances over hill-tops
Reaching high for clouds that sail the blue,
But best I know a path that leads me homeward-
A lane that takes me home to friends – and you
أعرفُ طريقا يقود لمدينة، وأعرف ممرّاً يصلُ لجدولٍ سائغ
حيث ينعكس على صفحة مائه نباتُ الخرخس المزدان بضفافِهِ
ويتراقص طرباً متمايلاً مع النسائم، حالمِاً.. حالِما..
وأعرف درباً يقود لغابة، مطرزاً بأشباح الليل الأرجوانية
حيث أشجار الحور تتماوج في السفح إلى أعلى التل
تعزف بأجراسها الفضية في مرحٍ أنيقٍ وحُبُور
أعرف آثار طريقِ يلتوي إلى أعلى التلّ، متطاولا لسحُبٍ أبحرتْ بزرقةِ السماء
ولكنما أروع دربٍ أعرفه ذاك الذي يقودني عائداً لموطني..
ممرٌ يأخذني لدياري، لأصدقائي و... إليكِ!
ريك المضيء:
اليوم الرابع
وأنا في الخارج قبل عودتي للبلاد كان طبيعيا أن أمرّ الفلبين للاطمئنان على الأبناء والبنات في «رابطة العودة للجذور» وهم بناتنا وأبناؤنا المحبوبون الذين تركهم آباؤهم الشرعيون السعوديون في الفلبين لينهش الفقر والشرَه الشرير من أجسادهم وأرواحهم وكامل وجودهم، أن سُمي ذاك الوجودُ وجودا. وكانت الخطط كثيرة للتنسيق مع سفارتنا هناك، وبعض النشاطات الصحية التي كنا بالسابق نمارسها بالفلبين عبر إرسال مرضى الفشل الكلوي للعلاج والزراعة، ثم تعثر المشروعُ تعثرا لم يقم بعده، وما زلنا نحاول بكل الأصعدة أن نعيده كما كان. ومتابعة برنامج زيارة الجامعات الفلبينية ليستفيد منها الطلبة السعوديون، فقد خرّجت جامعات عريقة هناك أفضل عقول علمية وتقنية وأدبية وقانونية واقتصادية على مستوى العالم، وكما نعلم فإن كثيرا من الذين يملئون وظائف صحية وهندسية وبرمجية وإنشائية عندنا هم من الفلبينيين والفلبينيات خريجي تلك الجامعات. وموضوعٌ كبير ألاحقه في «مندناو» المسلمة، أو التي كانت مسلمة فقد انسحبنا منها لأمر لا أعرف كنهه لتحل محلنا كتائبُ دعوةٍ وتبشيرٍ أخرى نجحت في أكل حصة كبرى من الجزيرة. ولم أخفِ على مسئولي وصحافة الفلبين أن الاستثمارَ في «مندناو» خصوصا في الزراعة والمواني والمصافي فهي مثل مدينة الذهب الأسطورية «الإلدورادو».. ولكن ايضا سبقنا من يجولون بحرص ودقة بمنظارهم العالمي. على أن تلك الأعمال منع معظمها الإعصارُ المحيطي الذي ضرب جزر الفلبين وجزيرة «لوزون» خاصة والتي بها حواضر الفلبين الكبرى ومنها العاصمة، وغرقت كل الجزيرة فأطلقت عليها «كوكب الماء». علمتني تلك الكارثة درسا واقعيا نُحت في شعوري عن قوة الإنسان وصلابة إيمانه الذي لا يهتز بأن الحياة تمضي.. وأنه مهما عصفت بنا المِحَن إلا أن أحداً لا يمكنه أن ينتشل السعادةَ من داخل القلبِ البشري.
-المشهدُ الأول: كان على بوابة فندقنا حارسٌ بوجه منير، اسمه «ريك»، شابٌ قوي البنية في منتصف عقده الثالث، وكانت به صفة ملازمة وهي ابتسامة غريبة ومضيئة، حتى أن الوافد الجديد للفندق وبدون استثناء لابد أن يقف مع «ريك» فقط لجاذبية ابتسامته التي تطرق القلب وتدخل قبل أن يفتح القلبُ الباب. بعض موظفي الفندق لم يتركوا الفندقَ أبدا وصاروا ينامون به لأن بعض الأحياء محاصرة بمياه يصل عمق بعضها أكثر من مترين، ويكفي لتعرف عمق الكارثة أن في مدينة مانيلا فقط أكثر من مليون ونصف المليون مشرد ممن هدم الطوفانُ أكواخَهم وبيوتهم الهشّة، ولا إحصاء دقيق للموتى. إلا أن «ريك» كما عرفنا من زملائه يصرّ أن يذهب يوميا لأن أمه مصابة بمرض المفاصل المزمن، ليقوم على خدمتها ويشرف على تناول أدويتها، والرحلة طبعا مهيلة فهو يخوض بالمياه حتى كتفيه أحياناً، ثم يركب عبّارات اخترعها هذا الشعب الذكي من تجميع عجلات مطاطية مرمية بل إن بعضهم وضع بها محركاتٍ وجدوها(!) في المحلات التي خربتها المياه والقوارب الطافية مقلوبة على الشوارع الرئيسة المطلة على البحر. يصل «ريك» كل صباح لعمله ومعه تلك الإبتسامة العريضة القلبية التي لا تعلم من أين تنبع. في يوم لم يتمكن ريك من الذهاب إلى منزله، فقد منعتْ السلطاتُ الحركة تماما لأيام، وسألنا عنه، وقالوا تجدونه في ركن صغير يرتاح به موظفو الفندق الذين أنهوا دوامهم.. وفعلا ذهبنا لتحية ريك. على أنّ المنظر جمّدَنا.. كان «ريك» جالساً يحتسي كأسا من القهوةِ الساخنة ضاحكا مع زملائه.. وعلى جدارٍ بجانبه أسند ساقيْه الصناعيتَيْن!
المنظر الثاني: في الصفحة الأولى من أكبر جريدة بالفلبين «مانيلا بولتين»، وبحجم نصف صفحة تماما التقط مصورُ الجريدة عروسا وعريسها يحتفلان وسط السيل بكامل لباسهما الرسمي، وضحكاتهما تنطلق بالسماء وكأنها تقول للإعصار: ماذا عندك أكثر!؟
من يستطيع أن يسرق السعادة من قلب إنسان.. فالحياةُ تمضي.
سؤال من بنت الكويت بشرى: هل صحيح يوجد ما يسمى بالحب الصوفي في التاريخ الأوروبي؟
اليوم الخامس
- طبعا، طبعا يا بشرى. وكنت أود الحديث عن الفرق بين الحب العذري والأفلاطوني والصوفي من زمان ولم أعرف كيف أبدأ وكيف أعالج الموضوع من جذوره إلا أن سؤالك كشف التربة التي تيبست وأظهر طبقة خصبة لإجابة السؤال باختصار. لن أنقلك تراتبيا في التاريخ فأود القفز مع الحفاظ على الحقبة التاريخية. لعلك قرأت رواية «مرتفعات وذرنج» لإيميلي برونتي الكاتبة البريطانية الشهيرة، وإن لم تقرأيها فأنصحك بذلك. كان السيد «هيثكليف» متيما بمحبوبته الآنسة «كاترين إيرنزشو» ولما مرضت وماتت صرخ نائحا:» دعوني لن أستطيع أن أعيش بلا روحي.» والطريف أني مرة في محفل كنت أتكلم عن برونتي ووردت القصة فوقف أحد المنتقدين قائلا، لا يمكن أن يقول الإنجليز «روحي»، فكان واجبا أن أدلل بالأصل الإنجليزي الأصلي للكاتبة: «I cannot live without my soul» وكانا حبيبين بالروح فعلا فلم يتقاربا جسديا. ولم تكن إيميلي برونتي بِدعا؛ فقد كانت ثيمة القصص التي سبقتها الرومانسية هذا الحب الروحي الصوفي ويسمى «Mystical love»، ويروون وبعضها قصص حقيقية عن محبين ملتاعين من الفراق والجوي يهومون في القرى والنجوع والحقول أو ينتحرون. ومن قرأ لجوته «آلام فرتر» أو «أحزان فرتر» بالترجمة الحرفية، سيجد في نهاية القصة أن الشاب «فرتر» يزهق روحه بغابة من أثر التوق والهجران.. الأغرب أنه ساد بين شباب أوروبا في تلك الحقبة موضوع الذهاب للغابات والتخلص من حياتهم بعد تجارب حبٍّ مريرة. ثم أن لدينا أيضا الحب الأفلاطوني في القرن الرابع قبل الميلاد، وهذا مختلف جدا، فأفلاطون يصنف الحب أنه التقاء وعيَيْن باطنيَّيْن، وهذان الوعيان يصوران الحبيب كاملا، وبالتالي أي تقارب جسدي وغريزي سيفسد هذا الكمال. أما الحب العذري عند العرب وشاع عند بني عذرة، المحب لا يلتفت للروح ولا للوعي الباطن كما وصفه افلاطون، بل يعتقد أن الحبَّ أمرٌ جليلٌ وسامٍ وأن التقارب المادي والغريزي ينال من طهارته وقداسته وبالتالي يسقط من عليائه.. قبل أن يكون التقارب المادي تدنيسا للمحبوب. وقصص الهند أن الفتاة تحرق نفسها مع حبيبها قبل أي التقاء مادي، ولا تفعل مع زوجها، حتى صار مواكبة دينية فطلب البراهمانيون أن يكون إحراق الزوجة مع زوجها طقسا دينيا لازما، يعني كيف؟ تحرق نفسها لعشيقها ولا تحرقه لزوجها؟! ما يصير! وبقي الطقسُ الديني الجائر في الهند حتى أُلغِيَ بقانون في ستينيات القرن الماضي. وهناك من زودها، فالعاشقان عند بعض قبائل التبت لا يتزوجان –يعني عيب زواج عن حب- وإن مرض إحدهما فعلي الآخر أن يعذب نفسه بسكين أو فأس حتى يسحب آلام المحبوب. وفي قبائل كانت تعيش بأفريقيا بما يسمى الآن بدولة بنين كان الحبيب يفصح عن حبه لحبيبة روحه بأن يصارع أسدا أو وحشا ضاريا بيد ونصل معه، أو يجتز رأس عدو من قبيلة أخرى ثم يقدمه لحبيبته، لتقول له: «يا زين رومانسيتك يا حبيبي.» على أي حال كثيرا لا يصل رأسُ الضحية للحبيبة إلا عن طريق مرسول فالحبيب قد نزف في الطريق جرحُه حتى مات. وينتهي المكانُ ولا تنتهي عجائب المحبين!
من قال إن المجرمَ لا قلبَ له؟
اليوم السادس
من يعرف المشهور بابلو أسكوبار؟ لا ليس من كتاب الواقع السحري اللاتنيني والذي أعطى بعدا للغة الآداب الأسبانية، فهناك بابلو نيرودا الشاعر الأمريكي الجنوبي الأشهر. على أن صاحبنا هذا هو مجرم كولومبي كبير، يعني ليس هيّنا، ملك ملوك المخدرات في العالم. كان أعتى الأشرار، وأمكرهم وأقساهم وأوسعهم نفوذا، وأحاط نفسه بالفلاحين الذين صاروا يسمونه «القديس روبن هود» فكثالكة اللاتيني سهل عليهم تقديس من يشاؤون، وذلك لأنه شق لهم الطرق وابتاع لهم السماد والبذور وفتح المدارس والجامعات والمستشفيات. دارت عليه الدنيا فطُلب من السلطات، فما كان منه إلا ان أخذ ابنته الوحيدة وهرب حاملا معه ما استطاع من المبالغ النقدية وكانت بالضبط مليونَي دولار. وهم في طريق الهرب اشتد البردُ ونزل الصقيع وخابت كل وسائل «أسكوبار» بتدفئة ابنته، فلم يتوانى الأبُ الحنونُ عن حرق كل المليونَي دولار.. لتدفئة ابنته!

«جورج سلتي» شاعرٌ مسيحي قال بقصيدة مخاطبنا رسولنا الأكرم (صلى الله عليه وسلم):
اليوم السابع
يا سيدي، يا رسولَ الله، روّعنا صرْفُ الزمانِ بشرٍّ منه مسعورِ
وامتدَّ بالعُرْبِ ليلُ النائباتِ، أما للفجرِ بعد الدياجي من تباشيرِ؟
فاشفعْ، فإنكَ أدنى المرسلين إلى الباري، فنسلمْ من ذُلٍّ وتعييرِ
واكلأْ –عليك صلاةُ اللهِ- أُمَّتَنا، حيّاك ربُّكَ حتى نفخة الصُّورِ
.. وشاعرٌ مسلمٌ، وهو الكويتي الشاعر والدبلوماسي العتيق خالد العدساني، يضع قصيدة في النبي عيسى عليه السلام، فيقول:
عيسى: محمد والقرآن حدَّثنا عمّا بلغتَ من الاعجازِ والفَهَمِ
أحييتَ بالعدلِ ناساً لا حياة لهم كانت حياتهم صنفاً من العدَمِ
وجُدْتَ بالنفسِ تفدي كل ذي وهنٍ (والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الكرمِ)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.