من المنطلق الإجرائي، أي خربشة تكتب في تويتر يطلق عليها ( تغريدة ) حتى وإن كانت مجرد تحية أو سلام أو شتيمة. وعلى هذا الأساس يتم حساب وتوزيع الألقاب على الأفراد والمدن الأكثر تغريداً. بغض النظر عما تتضمنه تلك التغاريد من إسفاف وتفاهة، لذلك يتعمد بعض مرتادي تويتر الإكثار من التغريد، بإعادة نشر الأخبار، وتبديد التحايا والمجاملات، والتعليقات العابرة، والمشاركة في كل الهاشتاقات، واللحاق بأي قضية تكون محل اهتمام المغردين، وكل ذلك من أجل رفع مستوى المشاركة بشكل مبدئي، واكتساب المتابعين، ثم توظيف كل ذلك في مآرب تسويقية أو دعائية أو وجاهية ... وهكذا. لكل مغرد شخصيته، أو هذا ما يفترضه موقع تويتر، وشخصية المغرد قد يتضح بعض معالمها الظاهرية في ( البايو ) الذي يُفترض أيضا أن يُكتب بعناية وكثافة تزدحم بالدلالات، إلا أن الشخصية الحقيقية لا يمكن التماس مع أعماقها إلا من خلال التغاريد، خصوصا تلك التي تظهر عند الاشتباك مع الآخرين، لأن التغريدة بمثابة منطوق المغرد، أو ما يسميه الفلاسفة الوجود الانطوقي، وبالتالي فهي التي تعكس ما يختزنه من آراء ومواقف وأفكار ومشاعر وأحاسيس، وأي تحليل لخطاب مغرد ما من المغردين سيكشف حجم الزيف والادعاء والانتحال في شخصيته مقابل ما يتمتع به من صدقية ومن رصيد معرفي وإنساني، لأن التغاريد في نهاية المطاف عبارة عن سياق يحيل إلى شخصية المغرد. المغرد الذي يلتزم بخط واضح بحيث تصب تغاريده كلها فيه، يمكن فهمه على هذا الأساس الفكري الشعوري المنضبط. سواء كان يعلق على الأحداث الرياضية أو الإجتماعية أو الثقافية أو السياسية ... وهكذا، بمعنى أن نزعته الإنسانية، أو عقلانيته، أو روحه المتسامحة، يمكن أن تظهر بمنتهى الوضوح. أما من يحاول تمثيل دور الكائن النبيل بتنقله في كل مسارات تويتر، فسرعان ما تنفضح نبالته الزائفة، وإدعاءاته المعرفية من خلال انحيازاته الصريحة، وقلة خبرته، وعثراته اللغوية، وتموضعه في خانة متيبسة لا يريد مغادرتها، إلى جانب متوالية طويلة من المطبات التي تكشف هشاشة تلك الذات التي تحاول التصدي لكل القضايا وتزعم قدرتها على مجاراة الآخرين في همومهم وتخصصاتهم. لتغاريد يُفترض أن تصدر عن جهاز مفاهيمي واحد، وهذا الجهاز هو المعادل لشخصية المغرد، بمعنى أن ما يصدر عنه هو مجمل خبراته ورصيده من التجارب والمعارف والأحاسيس إزاء الوجود، وعندما يحاول مغرد متواضع الأداء على المستويين الفكري والأخلاق مد قامته إلى الأعلى بانتحال صفة المفكر أو المتمرد أو الثائر فإنه يضع نفسه في دائرة السخرية، والعكس صحيح، أي حين يتخلى مثقف له سمعته الأكاديمية عن أدواته التحليلية ليلتحق بجمهور المدرجات المستنقعة في وحول التعصب ليمثل دور المنتمي إلى القاع الاجتماعي، فإنه يتحول إلى أضحوكة في موقع يبحث عن هذه النماذج الصالحة للسخرية، ولا يرحم من تصدر عنه زلة كلامية. هناك تغاريد ساخرة تعتمد على التهكم واقتناص المفارقات، وتختزن طاقة اجتماعية ناقدة، وهي لا تخرج إلا من ذات مطبوعة على الدعابة وقادرة على الإضحاك، وهي بمثابة الماركة المسجلة لبعض المغردين، ومقابل هذا النوع من المغردين هناك مغرد يحاول أن يجعل من تغاريده مدرسة أخلاقية بما يحتويه من التسامح وحُبّ الآخرين، حيث تتبدى قدرته على تجاوز الإساءات وبث روح التفاؤل بشكل واضح ومؤثر، وكذلك هناك مغرد يبني تغاريده كمن يكتب مقالة أو دراسة، بحيث يطرح مفهوما، أو يدفع بمعلومة ثمينة، أو يرمي بفكرة، مهما كانت المساحة المتاحة ضيقة، وهكذا تتنوع التغاريد، وتتعدد أنماط المغردين في طابعها الأصيل، أما ما يأتي خارج هذا السياق فهو مجرد تقليد ممجوج للأصل. وعلى هذا الأساس يمكن فهم تلك الكثافة الزائدة عن الحد في عدد التغاريد والمغردين، فالمقلد جاهل في الأساس بأصول الصنعة الفنية والبلاغية والمعرفية للتغريدة. ويعتقد أن كل ما يخرج من فمه يمكن أن يسجل كرصيد كمي يمكن أن يجعل منه نجما تويتريا، وهذا صحيح عندما يتعلق الأمر بالغوغاء الذين يجيدون تخليق نماذجهم البطولية، وتنصيبهم على خرابات الكلام الفارغ من المحتوى، لذلك يتم الخلط بشكل مقصود بين تغريدة مثقلة بالمعرفة والموقف والرأي، وأخرى متخمة بالعجرفة والسباب والهجاء، وعليه تغيب شخصية المغرد العقلاني الأخلاقي مقابل صيحات المغرد الغوغائي، الذي يرى أن من حقه احتلال الموقع بثرثرة كلامية يسميها تغاريد. عندما اختار موقع تويتر مفردة وفكرة (التغريد) إنما كان يؤطر التواصل الانساني بين المغردين من خلال سقسقة حوارية بين عصافير، ولم يرجح فكرة شقشقة البعير مثلاا، وهو ما يعني أن التغريدة كانت الصوت الأرق المقترح للتواصل بين البشر داخل الموقع، وبالتالي فإن على مرتادي تويتر اختيار نغمة الصوت التي تعادل شخصية المغرد. هو الأمر الذي يحتم إعادة الطراوة والتطريب لفكرة التغريد. حتى وإن كان المغرد يتكلم عن الحرب والخراب والفساد، إذ ينبغي على الإنسان الراقي أن يتحدث بنبالة، حتى وإن كان يتحدث عن الخراب، وهي مهمة تستلزم تعبئة التغاريد بأصالة الفكر والأخلاق وإعادة اللحمة بينها وبين الشخصية التي تصدر عنها وتتبناها.