أتأمل حال الإعلام الاقتصادي في المملكة والذي يعمل باستحياء، بعيداً عن مواكبة أخبار وزارة التجارة حول الغش التجاري التي تنشر بالاسم والصور بعض المتاجر التي مارست الغش، ويصدق هذا الحال على تغطية حال بعض الشركات السعودية التي صدمت المجتمع الاقتصادي بأخطاء فادحة. وبينما تغيب الأخبار التي تعلنها الجهات الرسمية عن بعض وسائل الإعلام السعودية، فمن باب أولى أن تتوارى التحقيقات الاقتصادية حتى تلك التي تشير إلى البقالة ع.ق في مدينة س أو الحلاق د.ن في القرية ص، والتي تشبه إلى حد ما إجابات الكلمات المتقاطعة. وقبل ذلك لم تنتج وسائل الإعلام تعليقات مباشرة على ما يحدث وأعني اقتصادياً، وبين هذا وذاك يندر أن تخرج وسيلة إعلامية محلية بتقرير تحليلي أو (فيتشر) إعلامي عميق الطرح حول مشكلاتنا الاقتصاية، وما يحدث من وراء الحُجب في المؤسسات الاقتصادية التي تمس اقتصاد الوطن. وبينما تمر الأمور بهذه الشاكلة تحولت بعض مقالات الرأي والمقالات الاقتصادية المتخصصة إلى ما يشبه قالب إعلامي جديد خليط بين الخبر والرأي والتحليل والشائعة لأسباب يمكن قراءتها، وبمعنى آخر فإن الإعلام الورقي والتلفزيوني والإذاعي يعيش هنا أزمة طرح. الأسبوع الحالي بثت هيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية BBC تحقيقاً صادماً شارك فيه عدد ضخم من الصحفيين والمتطوعين؛ لتكشف بالوثائق ما يُدين أحد أكبر ثلاثة بنوك بريطانية وأحد أكبر بنوك العالم بمساعدة بعض الأثرياء في إخفاء الأموال والتهرب عن الضرائب. التحقيق الذي أحدث زلزالاً عالمياً أورد اسم البنك والتفاصيل التي وصل لها بينما قدّم البنك رداً حول ذلك، هذا العمل الصحفي المبهر لا بد وأن يرفع له القبعة كل منتسب لهذه المهنة العظيمة، لأنه قدّم درساً في وظيفة الصحافة وقدرتها على كشف الفساد ولو تعلق ذلك بواجهة كبرى للاقتصاد الوطني، وفي بلاد رأسمالية. في المقابل فإن المنشآت الخدمية الكبرى لدينا لا تزال تعمل فيما يشبه الحصانة عن النقد، وبصورة أساءت لصورة الصحافة، بقدر ما أساءت للشركات الوطنية والتي تحولت إلى (علك) في لسان مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وبدلاً من أن تُثار مشكلاتها بصورة موضوعية ويُتاح لها الرد أصبحت مسرحاً للتندر الإلكتروني إلا ما رحم ربي. ويبدو أن تأسيس سياسات العلاقات العامة في تلك الشركات بمنظار لا ينتمي لهذه الصناعة بصلة جعلها تعتقد في صحة الوصفة التالية «مزيد من الإعلانات التجارية، قليل من الأخبار» وسكوت مطبق عن الشائعات والأخبار السلبية التي تحملها وسائل التواصل الإجتماعي. ولو تعرّفت على تقنيات رصد وسائل التواصل الاجتماعي لتقدير المرات التي تطرح فيها اسم الشركة أو منتجاتها، ونسب الطرح السلبي والإيجابي، وبمعنى آخر أن تقيّم تلك الجهات حصيلة السمعة التي حققتها من وراء سياسة الاختباء التي انتهجتها في الماضي. وعلى سبيل المثال حينما تقع مشكلة بحجم ما حدث لإحدى شركات الاتصالات المحلية، ثم ينهار سعر السهم إلى مستوى قياسي، ويستمر السكوت من الإدارة إلا فيما يخص المشكلات القائمة، ويغيب الحديث عن المستقبل وحصص السوق، ويتبع ذلك انخفاض إلى ما يقارب النصف في الإيرادات للربع المماثل من العام القادم فهذه كارثة في إدارة الأزمة. هنا لا ألوم المستثمر حينما يشعر بفقدان الثقة في حسابات الشركة ومستقبلها في السوق، رغم أن المعلومات التي تأتي من الشركات المنافسة أثارت بصيصا من الأمل حول إمكانية التمسك بحصتها الحالية أو أقل قليلاً، فهل تنتظر مساعدة غير مقصودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟. ربما تكتشف هذه الشركة أو تلك أن عدم تغطية الإعلام لها بصورة واضحة وبقاءها في مربع السكوت غير الإستراتيجي، مع استمرار التهويل في وسائل التواصل الاجتماعي لعب وسيستمر في لعب دور خطير يهدد وجودها من حيث أرادت أن تحافظ على سمعتها وممارسة الاختباء. لهذا على الإعلام الاقتصادي أن يمارس دوراً ليس فقط في كشف الفساد للرأي العام، بل وفي مساعدة الشركات الكبرى في البقاء في دائرة الموضوعية من خلال تعريضها للنقد وامتحان قدرتها على التعامل مع الرأي العام وإدارة أزماتها بحكمة. هذا بالضبط ما تقوم به الBBC هذه الأيام. * عضو مجلس إدارة آفاق الإعلامية – كاتب ومستشار إعلامي