نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة تشيد ب"مبادرة مؤشر جودة الحياة العالمي"    أمين القصيم يوقع اتفاقية لتعزيز التحول الرقمي والتدريب في بريدة ب1.399 مليون ريال    ارتفاع نسبة الأطباء السعوديين من 31% إلى 40% خلال 8 أعوام    تيكا تعزز توسعها في المملكة وتبرم شراكة مع كوسينتينو لتقديم حلول مطابخ فاخرة    أمير جازان يضع حجر الأساس لمركز أمراض الدم الوراثية    هل حان وقت التغيير؟ تراجع مستوى رونالدو يفتح باب الجدل في النصر    الهلال يطرق أبواب المواهب الكونغولية    مركز الملك عبدالعزيز الحضاري ينظم جلسة حوارية بأمانة عسير    موسم البرق الأحمر يقترب مع تزايد العواصف الرعدية    ولي العهد يلتقي رئيس الاتحاد السويسري    استشهاد فلسطيني في قصف على قطاع غزة    أمير منطقة جازان يستقبل الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للقهوة    الأمير محمد بن عبدالعزيز يدشن "قافلة التنمية الرقمية" لتعزيز الوصول إلى الخدمات الإلكترونية بمحافظات منطقة جازان    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمركز أمراض الدم الوراثية    انفاذا لتوجيهات القيادة.. بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفلبيني كليا وموريس آن    استقرار أسعار الذهب    دول الخليج.. مواقف تُدرس    حمدالله: جاهزون لحصد اللقب    النصر يسحق الأهلي القطري.. ويصل نهائي آسيا 2    زكري: ثقتي كبيرة في اللاعبين    تعليم المدينة يختتم فعالية «مستقبلي في روضتي»    إنقاذ حياة طالب اختنق بنقود معدنية    أمير القصيم يرأس عمومية «دمي».. ويدشّن عربة التبرع للفصائل النادرة    ترمب مدّد وقف النار: إيران على وشك الانهيار    «الترفيه» وموسم الرياض يطلقان تصوير فيلم «عو»    18 ألف طالب في الأحساء يشاركون ب «يوم التراث»    المُسعف الصحي.. دور حاسم في إنقاذ حياة المرضى    «طبية الداخلية» تدشّن تصحيح النظر بالليزك    نشر أسرار الطلاق.. تشهير يعاقب عليه النظام    "الوزاري العربي" يدين الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج والأردن والعراق    «صندوق الاستثمارات العامة» مستثمر رئيس في «ستيت ستريت الجديد» للمؤشرات المتداولة    نهضة المرأة في السعودية    متخصص في جراحة السمنة: 45 % من سكان المملكة مصابون بزيادة الوزن    الوثائق لها قوة الإثبات وتعد سنداً تنفيذياً.. العدل: لا يمكن التراجع عن الوقف بعد قبول طلب توثيقه    السبيعي يحتفي بالسفراء    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    موجز    وسط ترتيبات لمحادثات واشنطن.. عون: بيروت تتحرك لتمديد الهدنة مع إسرائيل    تثير المخاوف من تجاوز المؤسسات.. مبادرة «اللجنة المصغرة» تربك المشهد الليبي    بمشاركة 100 متسابق يمثلون 53 دولة أفريقية.. خادم الحرمين يوافق على إقامة مسابقة القرآن بالسنغال    أحمد العوضي يستعد لسباق رمضان ب«سلطان الديب»    تدشين «كرسي الكتاب العربي»    في الجولة ال 29 من دوري روشن.. ديربي قصيمي يجمع النجمة والتعاون.. وقمة شرقاوية بين الفتح والخليج    الرابط بين ريال مدريد والأهلي    إطلاق الخطة التشغيلية.. رئاسة الحرمين: توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحجاج    وصول أولى رحلات «طريق مكة» إلى المدينة المنورة    بدء إيداع أرباح الأوقاف عن العام 2025    أكدت أن الأمن الغذائي مستقر.. طهران تقلل من آثار الحصار البحري    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    أمير الرياض يرعى حفل تخريج الدفعة ال17 من طلاب جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز    مركز الملك سلمان يوزع سلالاً غذائية ب 3 دول.. اتفاقية لتمكين النازحين واللاجئين في النيجر    أفلت من الموت 9 مرات.. وفي النهاية حفر قبره بيديه    مُحافظ الطائف يطّلع على جاهزية القطاعات الصحية لخدمة ضيوف الرحمن    واشنطن تمدد وقف إطلاق النار ليلا وطهران تشعل هرمز صباحا    الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بنجران في زيارة لمدير عام تعليم منطقة نجران    حياة الفهد قصة نجاح ألهمت الأمهات.. وداعا سيدة الشاشة الخليجية    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل ستؤدي شبكة الإنترنت إلى موت الأدب؟
مستقبل الكتاب ..
نشر في اليوم يوم 08 - 03 - 2004

كان هذا المكان في الماضي، كما هو في الحاضر، وكما سيكون في المستقبل، مكرسا للحفاظ على الكتب، وبالتالي فإنه يعتبر، وسيعتبر كذلك في المستقبل، معبدا للذاكرة النباتية. فالمكتبات كانت عبر القرون وسيلة مهمة للحفاظ على الحكمة الجماعية. وكانت ومازالت نوعا من العقل الكوني الذي يمكننا من خلاله استعادة ما نسيناه أو معرفة ما نجهل من الامور أو المعلومات. ولو سمحتم لي أن استخدم هذه الاستعارة، فإن المكتبة هي أفضل ما صممه العقل البشري، حيث تري فيها الكون بأكمله وتفهمه في ذات الوقت، فالإنسان الذي سيستطيع أن يخزن في عقله كل المعلومات التي تقدمها له مكتبة عظيمة يمكنه بصورة ما أن يفهم الكون. أي إننا قد اخترعنا المكتبات لأننا نعرف أننا لانتمتع بقدرات إلهية ولكننا نحاول بكل ما أوتينا من قوة أن نحصد المعرفة.
وان عملية بناء، أو لنقل إعادة بناء، واحدة من أعظم المكتبات في العالم قد تبدو تحديا كبيرا، فالمقالات التي تنشرها الصحف والأبحاث التي يقدمها بعض الباحثين الاكاديميين تتحدث كثيرا عن احتمال موت الكتاب وذلك في مواجهة عصر الكمبيوتر والإنترنت.
فلو كان لزاما علي الكتب أن تختفي، مثلما حدث لألواح الطين والمسلات التي تنتمي لحضارات عصور سحيقة لكان هذا سببا وجيها لإلغاء المكتبات. ولكن العكس صحيح فالكتب يجب ان تحيا كمتاحف تحفظ انتاج الماضي، تماما مثلما نحتفظ الآن في أحد المتاحف بحجر رشيد فقط لأننا لم نعد نحفر وثائقنا ونصوصنا على أسطح معدنية، كما أن الإعجاب الذي أكنه للمكتبات سيحمل قدرا كبيرا من التفاؤل، وذلك لأنني أنتمي إلى تلك الحفنة من الناس التي مازالت تعتقد أن للكتاب المطبوع مستقبلا، وأن جميع المخاوف المتعلقة باختفائه ما هي إلا مثال آخر لبعض المخاوف المرعبة المتعلقة بانتهاء شيء ما، بما في ذلك انتهاء العالم.
ولقد كان لزاما علي في العديد من المقابلات أن أجيب عن أسئلة مثل: هل ستؤدي الوسائط الإلكترونية الجديدة الي موت الكتاب أو انقراضه؟ هل ستؤدي شبكة الإنترنت إلي موت الأدب؟ هل ستقضي حضارة النصوص ذات الروابط التي نجدها علي شبكة الإنترنت (hypertexts) على فكرة (التأليف)؟ وكما ترون حضراتكم، لو كنتم تتمتعون بعقل طبيعي متزن فإن هذه أسئلة مختلفة، واذا أخذتم في المرء يشعر أن المحاورين في هذه المقابلات أو اللقاءات يشعرون بالطمأنينة اذا كانت الاجابة صلا، اطمئنوا، الأمور علي ما يرام'. ولكن هذا خطأ، فلو أخبرتهم أن الكتب والأدب ومفهوم صالتأليف' لن تختفي، فسيبدو عليهم القلق. أين إذن السبق الصحفي والإثارة الصحفية؟ والواقع إنك اذا نشرت أن أحد الحاصلين علي جائزة نوبل قد توفي فإنك تصنع خبرا. أما اذا قلت إنه بخير ومازال علي قيد الحياة، فهذا الخبر لايهم أحدا إلا الشخص ذاته فيما أعتقد.
ودعونا نبدأ بقصة مصرية علي الرغم من أن من يرويها أحد اليونانيين، فكما قال أفلاطون في Phaedrus عندما قدم هرميس الذي يقال انه قد اخترع الكتابة، هذا الاختراع إلى الفرعون أثنى الفرعون على هذا الاسلوب غير المسبوق الذي من المفترض أنه يسمح للانسان أن يتذكر ما قد ينساه اذا لم يتم تسجيله كتابة. ولكن الفرعون لم يكن سعيدا للغاية وقال صيا هرمس الماهر، إن الذاكرة هبة عظيمة يجب ان نحافظ عليها عن طريق التدريب المستمر، أما طبقا لاختراعك فان الناس لن يضطروا إلى تدريب ذاكرتهم بعد الآن، لأنهم سيتذكرون الأشياء بسبب مساعدة اداة خارجية لابسبب جهد داخلي يقومون به.
ويمكننا أن نفهم قلق الفرعون هذا، فالكتابة، مثلها في ذلك مثل أي اختراع تكنولوجي جديد، يمكن أن تؤدي إلي تقليص القدرة البشرية التي تتظاهر أنها تحل محلها أو تدعمها. فلقد كانت الكتابة تمثل خطرا ما لأنها قلصت قدرة العقل البشري عن طريق تقديمه للإنسان كروح مجمدة في صورة كاريكاتير، أو على شكل ذاكرة معدنية.
وبالطبع فإن نص أفلاطون نص ساخر، فلقد كان أفلاطون يعبر عن رفضه للكتابة، ولكنه كان يتظاهر بأن هذه الرؤية قد قدمها سقراط الذي لم يكتب (وذلك لأنه لم ينشر أعماله حيث انه لقي حتفه في اثناء معركته الأكاديمية.
ولايحمل أحد اليوم الهم الذي أرق الفرعون وذلك لسببين بسيطين. أولا، إننا نعرف أن الكتب ليست وسيلة تجعل الآخرين يفكرون نيابة عنا، فالعكس هو الصحيح لأن الكتب عبارة عن آليات تؤدي إلي إثارة المزيد من الأفكار. فإنه فقط بعد هذا الاختراع الذي يسمي صالكتابة' لا اعتبار للشعور بالخوف الذي نتجت عنه مثل هذه الأسئلة، فإنه أصبح من الممكن أن تتم كتابة عمل رائع يصور الذاكرة العفوية مثل رائعة بروست (البحث عن الزمن الضائع)
أما السبب الثاني فيتمثل فيما يلي، لو كان الناس قد احتاجوا في توقيت ما أن يدربوا ذاكرتهم علي تذكر الكتب، فالكتب تتحدي الذاكرة وتزيد من حدتها ولاتدمرها.
ولكن الفرعون في تلك القصة كان يعبر عن خوف أبدي: الخوف من أن يؤدي أي نجاح تكنولوجي جديد إلي قتل شيء كنا نعتبره في الماضي غاليا ومثمرا.
ولقد استخدمت الفعل (يقتل) هنا عمدا، وذلك لأنه منذ أربعة عشر قرنا قدم لنا فيكتور هوجو في روايته (أحدب نوتردام) قسا يدعى كلود فرولو وهو ينظر بحزن إلى أبراج كاتدرائيته، وتدور أحداث هذه الرواية في القرن الخامس عشر بعد اختراع الطباعة. وقبل هذا التاريخ كانت المخطوطات تحفظ لتستخدمها الصفوة من المتعلمين، وكانت الوسيلة الوحيدة لتعليم العامة قصص الكتاب المقدس وحياة المسيح والقديسين والمباديء الاخلاقية بل وأحداث التاريخ القومي وبعض المفاهيم الأساسية في الجغرافيا والعلوم الطبيعية (مثل طبيعة الشعوب المجهولة بالنسبة لهم أو خصائص الأعشاب والصخور) تتمثل في صور الكاتدرائية، فلقد كانت الكاتدرائية في العصور الوسطي بمثابة برنامج تليفزيوني ثابت منوط به تعريف الناس بكل الأمور التي لاغني عنها في حياتهم اليومية وكذلك في سعيهم نحو الخلاص الابدي.
وفرولو لديه الآن كتاب مطبوع أمامه علي الطاولة ويردد هامسا: سيقتل هذا ذاك (أي سيقتل الكتاب الكاتدرائية، ستقتل الأبجدية الصور) فالكتاب سيصرف أنظار الناس واهتمامهم عن القيم المهمة كما أنه سيشجع وجود المعلومات غير الضرورية والتفاسير الحرة للكتاب المقدس وكذلك الفضول المجنون.
وفي الستينات كتب جالكسي مارشان (مجرة جوتنبرج) الذي أعلن فيه أن التفكير الأفقي الذي كان قد دعم وجوده اختراع الطباعة قد أصبح مهددا بالاستبدال بوسيلة أخرى للإدراك والفهم أكثر عالمية تقدمها الصور في التليفزيون والآلات والأجهزة الإلكترونية الأخري. واذا كان ل (ماكلهان) لم يشر بإصبعه إلى جهاز التليفزيون ثم إلى كتاب مطبوع ولم يقل: (هذا سيقتل ذاك) فإن الكثيرين من قرائه قد فعلوا ذلك.
ولو كان ل (ماكلهان) أن يبقي معنا وقتا أطول لكان أول من يكتب عملا يحمل عنوانا مثل: Gutenberg Strikes Back (جوتنبرج يرد). حقا ان الحاسب الآلي (الكمبيوتر) هو جهاز يستخدم لانتاج صور ثم تعديلها، وحقا يقدم هذا الجهاز التعليمات عن طريق أيقونات، ولكن هذا الجهاز قد أصبح كذلك أداة أبجدية، أكثر من كونه أي شيء آخر. فعلى شاشته تجد الكلمات والسطور، كما أنك يجب أن تكون على دراية بالقراءة والكتابة حتى تستطيع أن تستخدم جهاز الحاسب الآلي.
فهل هناك فرق بين مجرة جوتنبرج الأولي ومجرته الثانية؟ نعم، هناك العديد من الفروق. أولا، لقد كانت مجرة جوتنبرج أول معالج كلمات أثري ينتمي إلى الثمانينات من القرن التاسع عشر ويقدم نوعا من التواصل المكتوب الأفقي. ولكن أجهزة الحاسب الآلي التي نراها اليوم تقدم ما هو أكثر من التواصل الأفقي، وذلك لأنها تقدم تركيبا لنصوص ذات روابط.
ومن الأمور الجديرة بالذكر هنا أن الحاسب الآلي عندما ظهر في الوجود لأول مرة كان عبارة عن آلة تستطيع فقط أن تقوم بخطوة واحدة تلو الأخرى. وفي واقع الأمر فان هذا الجهاز مازال يعمل بنفس الطريقة على مستوى لغاته الأساسية، أي يعمل على أسس ثنائية، عبارة عن صفر واحد ثم صفر واحد وهكذا. ولكن مخرجات هذا الجهاز ليست مخرجات أفقية، فهي عبارة عن انفجار ألعاب نارية سميوطيقية، ونموذج هذه المخرجات ليس نموذجا أفقيا ولكنه عبارة عن نموذج مجرة حقيقية يمكن لكل فرد أن يصنع روابط غير متوقعة بين نجومها لتكوين صور سماوية جديدة مع كل بحث جديد.
وعند هذه النقطة بالضبط يجب أن تبدأ عملية الكشف التي نهتم بها هنا، وذلك لأننا نعني ظاهرتين مختلفتين تماما عندما نتحدث عن تركيب النصوص ذات الروابط الإلكترونية.
استخدام الروابط في داخل النص التقليدي ففي كتاب تقليدي على المرء أن يقوم بالقراءة من اليسار إلى اليمين (أو من اليمين إلى اليسار أو من أعلى إلى أسفل وذلك طبقا للثقافات المختلفة) في شكل أفقي. ويمكن للمرء بالطبع أن يقفز عبر الصفحات فبعد أن يصل إلي الصفحة رقم 300 يمكنه أن يعود لقراءة شيء ما أو للتحقق من أمر ما في الصفحة رقم 10 ولكن مثل هذا العمل يتضمن مجهودا بدنيا. أما النص الذي يحتوي علي روابط إلكترونية فهو عبارة عن شبكة متعددة الأبعاد أو متاهة يمكن لكل نقطة فيها أو لأي طرف أن يلتقيا مع أي نقطة أخرى أو طرف آخر.
النصوص ذات الروابط التي توجد في إطار ما: وتعد شبكة الإنترنت العالمية (www) أم جميع النصوص ذات الروابط الإلكترونية، فهذه الشبكة عبارة عن مكتبة تغطي العالم وتنتشر فيه بأسره، ويمكنك عن طريقها وفي وقت قصير أن تحصل علي كل الكتب التي ترغب في الحصول عليها. فشبكة الإنترنت هي النظام العام الذي يحوي في إطاره جميع النصوص ذات الروابط الإلكترونية الموجودة في العالم.
وإن هذا الفرق بين (النص) و(النظام) هو فرق مهم للغاية، وسنعود للحديث عنه بعد لحظات، أما الآن فدعوني أتعامل مع أكثر الأسئلة التي تطرح في هذا الصدد سذاجة حيث ان هذا الفرق غير واضح بعد في هذا السؤال، ولكن الإجابة عن هذا السؤال الأول ستمكننا من توضيح النقطة التالية التي نعنى بها.
ولكن حتى هذا السؤال قد يؤدي إلى شيء من الخلط. حيث إنه يمكن صياغته علي نحوين مختلفين: أ) هل الكتب كأشياء مادية ستختفي؟ ب) هل الكتب كأشياء افتراضية ستختفي؟
ودعوني أولا أجيب عن السؤال الأول.
إنه حتي بعد اختراع الكتابة لم تكن هي الوسيلة الوحيدة التي نحصل منها على المعلومات.. فلقد كان هناك كذلك اللوحات والصور المطبوعة المنتشرة والتعليم الشفهي و غيرها، ولكن الكتب قد أثبتت أنها أكثر المصادر ملاءمة لنقل المعلومات.
وهناك نوعان من الكتب: تلك التي نقرأها وتلك التي نرجع إليها، وبخصوص تلك الكتب التي نقرأها فإن الاسلوب الذي نتبعه معها يمكنني أن أصفه على أنه يشبه قصة بوليسية، فإنك تبدأ قراءة الصفحة رقم 1 التي يخبرك فيها الكاتب أنه قد تم ارتكاب جريمة، ثم تتتبع جميع مسارات البحث حتي النهاية، وفي النهاية تكتشف أن المجرم هو كبير الخدم، وهذه هي نهاية الكتاب كما أنها نهاية عملية القراءة . ولتلاحظوا هنا أن مثل هذه العملية تحدث حتي عندما تقرأ مقالا فلسفيا، فالكاتب يريد منك أن تفتح الكتاب على صفحته الاولى وأن تتتبع سلسلة من الأسئلة التي يطرحها لترى ما إذا كان قد خلص إلى إجابات محددة عنها، وبالطبع فإن الباحثين يمكنهم أن يعيدوا قراءة هذا المقال عن طريق القفز من صفحة إلى أخري في محاولة لتحديد العلاقة بين مقولة طرحت في الفصل الأول وأخرى قدمت في الفصل الأخير. كما يمكنهم أيضا أن يحددوا جميع الأماكن التي ورد بها ذكر كلمة (أفكار) مثلا في عمل ما، وبالتالي فإنهم بذلك يقفزون عبر مائة صفحة من أجل أن يركزوا فقط على الأجزاء أو الفقرات التي تتناول هذا المفهوم، ولكن أسلوب القراءة هذا اسلوب قد يعتبره العامة اسلوبا غير مألوف أو مفتعل.
ثم هناك الكتب التي نرجع إليها، مثل المراجع والموسوعات، فالموسوعات قد تم إعدادها لنرجع إليها دائما لا لنقرأها بأكملها. فالشخص الذي يقرأ الموسوعة البريطانية قبل أن يذهب إلي النوم مثلا يعد بالقطع شخصية كوميدية، فعادة ما يختار المرء أحد مجلدات الموسوعة ليعرف أو ليتذكر تاريخ وفاة نابليون أو كيفية تركيب حمض الكبريتيك، أما الباحثون فيستخدمون الموسوعات بطريقة أكثر تعقيدا، فمثلا لو كنت أريد أن أعرف ما إذا كان ممكنا لنابليون أن يكون قد إلتقي بكانط، يكون علي أن أذهب إلي المجلد (كاف) والمجلد (نون( من مجلدات الموسوعة، وعندئذ سأكتشف أن نابليون قد ولد في 1769 وتوفي في 1821، أما كانط فقد ولد في 1724 وتوفي في 1804 اي عندما كان نابليون امبراطورا بالفعل.. وبالتالي فإنه ليس من المستحيل ان يكونا قد التقيا، وربما يكون علي ان اراجع سيرة حياة كانط او نابليون ولكن في سيرة مختصرة لحياة نابليون الذي التقى بالعديد من الشخصيات ربما لايأتي ذكر للقاء يكون قد تم بينه وبين كانط، اما في سيرة لحياة كانط فيجب ذكر لقائه بنابليون، لو ان هذا اللقاء كان قد تم بالفعل. وفي هذه الحالة يجب علي ان اتصفح كتبا كثيرة فوق ارفف عديدة في مكتبتي، ويجب ان اقوم بكتابة بعض النقاط لاقارن لاحقا بين جميع البيانات التي قد جمعتها، وبالتالي فإن مثل هذا العمل سيكلفني مجهودا بدنيا مؤلما.
اما لو كان لدي نص ذو روابط الكترونية فإنني أستطيع أن أبحث واتجول في جميع أنحاء الموسوعة، ويمكنني أن أربط بين حدث يأتي ذكره في البداية وأحداث اخرى مشابهة له يأتي ذكرها عبرالنص، ويمكنني ان أقارن بين البداية والنهاية، كما يمكنني أن أعطي أمرا بتكوين قائمة بجميع الكلمات التي تبدأ بحرف (ألف) أو بجميع المواقف والأحداث التي يأتي فيها ذكر اسم نابليون مرتبطا باسم كانط، ويمكنني أن أقارن بين تاريخ ميلاد كل منهما وتاريخ وفاته، اي انه يمكنني القيام بمهمتي في غضون ثوان أو دقائق معدودة. وإن النصوص ذات الروابط الإلكترونية ستؤدي حتما الى اختفاء الموسوعات والمراجع، فبالأمس كان من الممكن الحصول على موسوعة كاملة في قرص مضغوط، اما اليوم فقد اصبح من الممكن الحصول على هذه الموسوعة على شبكة الانترنت عند الاتصال بها، مع ميزة انها تسمح لنا بالقيام بالربط بين اجزاء في داخل النص وباستعادة المعلومات في صورة غير افقية، وان جميع الاقراص المضغوطة الي جانب جهاز الحاسب الالي ستحتل مساحة تصل الى 5 /1 المساحة التي تحتلها الموسوعة المطبوعة، كما انه لايمكنك ان تنقل الموسوعة المطبوعة من مكان الى اخر بسهولة مثلما تنقل قرصا مضغوطا، هذا الى جانب انه لايمكن تحديث الموسوعة المكتوبة بسهولة. وان الارفف الموجودة في بيتي وكذلك تلك التي تجدها في المكتبات العامة تحتلها امتار وامتار من مجلدات الموسوعات التي يمكن الاستغناء عنها في المستقبل، ولن يكون هناك سبب يجعلنا ننعي اختفاءها ودعونا نتذكر هنا ان امتلاك موسوعة متعددة المجلدات يعد حلما صعب المنال بالنسبة لكثير من الناس ليس فقط لارتفاع ثمنها ولكن ايضا لتكلفة المكان المطلوب لاقامة الارفف التي ستستقر عليها هذه المجلدات فانا شخصيا اتمني ان يكون لدي في منزلي المجلدات التي يصل عددها الى 221 مجلدا من عمل الموسوعي الذي يحمل عنوان petrologic latino وذلك بما انني بدأت كمتخصص في دراسات العصور الوسطي. وبالرغم من تكلفة ذلك فإنني استطيع ان ادفع ثمنها، ولكنني لا استطيع ان اقوم بشراء شقة جديدة لاخزن فيها 221 مجلدا ضخما بدون ان اضطر الي التخلص مما يقرب من 500 كتاب اخر.
فهل يمكن لقرص يحمل نصا ذا روابط الكترونية او لشبكة الانترنت العالمية ان يحلا محل الكتب التي نقرأها؟ مرة اخرى يجب ان نحدد ما اذا كان السؤال يعني بالكتاب كشيء مادي او كشيء افتراضي. ومرة اخرى دعونا نناقش الجانب المادي اولا.
الخبر السار هو ان الكتب ستبقي ولن نستغني عنها، ليس في الادب فقط بل في جميع الحالات التي يحتاج فيها المرء للقيام بقراءة دقيقة لنص ما، ليس فقط ليحصل منه على معلومات ولكن ليفكر في المعلومات التي يقدمها له الكتاب ويتأملها. وان قراءة شاشة جهاز الحاسب الآلي تختلف عن قراءة كتاب. ولننظر مثلا الى عملية تعلم برنامج جديد للحاسب الالي (كمبيوتر)، وعادة مايكون البرنامج قادرا على ان يعرض على الشاشة كل التعليمات التي تحتاجها. ولكن المستخدمين للجهاز الذين يودون تعلم البرنامج عادة يطبعون التعليمات ويقرؤونها كما يقرؤون اي كتاب مطبوع او يشترون دليل استخدام هذا البرنامج ومن الممكن ان نتخيل برنامجا مرئيا يشرح جيدا كيفية طباعة كتاب وتغليفه، ولكن للحصول على تعليمات بخصوص كيفية كتابة برنامج كمبيوتر او تعلمه نحتاج الي كتاب ارشادات مطبوع.
وبعد قضاء 12 ساعة امام جهاز الكمبيوتر (الحاسب الالي) تتحول عيناي الي كرتي تنس واشعر انني في حاجة الى ان اجلس مسترخيا في مقعد وثير لاقرأ جريدة او ربما قصيدة جيدة وانني اعتقد ان اجهزة الحاسب الالي تنشر نوعا جديدا من التعلم ولكنها لاتستطيع ان ترضي الاحتياجات الفكرية التي تثيرها لدى الانسان.وارجو ان تتذكروا ان الحضارة العربية الاولى كانت تقوم على كتاب، وهذا لا ينفصل عن الطبيعة البدوية ولكن المصريين القدماء استطاعوا ان يحفروا نصوصهم وسجلاتهم على مسلات من الحجر في حين ان موسي ومحمد عليهما الصلاة والسلام لم يكن في استطاعتهما ذلك. كما انك اذا اردت ان تعبر البحر الاحمر او تهرب من شبه الجزيرة العربية الي اسبانيا او تتجه شرقا، فان اللفائف تعد بالقطع طريقة افضل من المسلة او الاحجار لنقل كتاب. ولذلك فإن هاتين الحضارتين اللتين قامتا علي كتاب مكتوب فضلتا الكتابة على الصور. وللكتب ميزة اخرى عن اجهزة الحاسب الالي، فحتى لو كانت هذه الكتب مطبوعة على الاوراق الحمضية الحديثة التي تعيش لمدة سبعين عاما فقط او مايقرب من ذلك، فان هذه الكتب تفوق عمرها الافتراضي كثيرا العمر الافتراضي للأدوات الممغنطة كما انها اي الكتب المطبوعة لاتتأثر بنقص التيار الكهربائي او انقطاعه، وتقاوم الصدمات بشكل افضل، والى الان مازالت الكتب اكثر وسائل نقل المعلومات مرونة ومتانة كما انها اقلها تكلفة.وان المعلومات التي تنتقل عن طريق اجهزة الحاسب الالي تسبقك، اما الكتب فتسافر معك وفقا لسرعتك، ولو حدث ان تحطمت بك السفينة في جزيرة منعزلة، لا تستطيع فيها ان تجد مصدرا للتيار الكهربائي لتشغيل جهاز الحاسب الالي، فإن الكتاب يعد اداة لاتقدر بثمن فحتى لو كان جهاز الحاسب الالي الخاص بك به بطاريات تشحن بالطاقة الشمسية فإنك لاتستطيع ان تقرأ بسهولة وانت تتمدد فوق شبكة معلقة بين شجرتين، فالكتب مازالت افضل رفيق اذا تحطمت سفينتك على شاطيء جزيرة منعزلة او في اليوم التالي. فالكتب تنتمي الى مجموعة الاشياء التي لم تتعرض للمزيد من التطوير بعد اختراعها وذلك لانها في احسن حال على ماهي عليه منذ اختراعها مثلها مثل المطرقة، السكين والمعلقة والمقص.
ولكن حتي هذه اللحظة لم يثبت الكتاب الالكتروني نجاحه بصورة تجارية كما تخيل من اخترعوه، كما انه قد نمى الى علمي ان بعض قراصنة الحاسب الالي (الكمبيوتر)، هؤلاء الذين نموا وترعرعوا في عصر الحاسب الالي (الكمبيوتر)، والذين لم يعتادوا تصفح الكتب، قد قرؤوا امهات الاعمال الادبية في صورة كتب الكترونية، ولكن في ظني مازالت هذ الظاهرة محدودة للغاية، فيبدو ان الناس يفضلون قراءة قصيدة او راوية مطبوعة بالصورة التقليدية. وربما تحقق الكتب الالكترونية نجاحا كمصادر للبحث عن معلومات ما، شأنها في ذلك شأن المعاجم او الوثائق المميزة، وربما تعين الطلاب الذين يكون لزاما عليهم ان يحملوا عشرات الكتب عندما يذهبون الى المدرسة، ولكن الكتب الالكترونية لن تصلح كبديل للكتب التي نحب ان نصطحبها معنا الى الفراش عند النوم. كما ان هناك العديد من الاختراعات التكنولوجية التي لم تؤد الى انقراض ما سبقها من اختراعات، فالسيارة مثلا اسرع من الدراجة ولكنها لم تتسبب في انقراض الدراجة، كما انه ليست هناك تكنولوجيا لتطوير الدراجة عما كانت عليه من قبل. وان هذه الفكرة القائلة بأن التكنولوجيا الجديدة تمحي من الوجود كل ماسبقها فكرة بسيطة وساذجة. فبعد اختراع التصوير الفوتوغرافي مثلا، لم يشعر الرسامون ان عليهم تقديم تصوير دقيق للواقع، ولكن هذا لايعني ان اختراع شجع الرسم المجرد فقط، فهناك اتجاه فني حديث بأكمله لايمكن له ان يوجد بدون النموذج الفوتوغرافي، ولنتذكر هنا مثلا hyper-realism حيث تري عين الفنان الواقع من خلال عين فوتوغرافية.
وهذا يعني انه في تاريخ الثقافة لم يحدث ان قام شيء مابقتل شيء اخر، ولكن كان هناك شيء يغير بصورة جذرية شيئا اخر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.