ماذا اصاب اجهزة اعلامنا؟ وماذا اصاب مثقفينا؟ كيف يتصالح القائمون على صحفنا ومحطاتنا الفضائية ومعهم مراسلو وكالات الانباء الاجنبية من العرب مع انفسهم وهم يساهمون في عمليات التعتيم المتعمدة على قرائهم ومستمعيهم ومشاهديهم؟ كيف يبيحون انتهاكهم شرف المهنة وهم يتعاملون مع الخبر بانتقائية مكشوفة, رغم ان عقيرتهم ما فتئت تتهم الاعلام الغربي بالانتقائية وبالتحيز, الادهى انها انتقائية مكشوفة حتى لمن يتلقاها من المشاهدين انما يتقبل نقصانها ويتقبل تحريفها الجمهور العربي وهو على علم بجانبها الاخر المخفي والمسكوت عنه, وقابل للضحك عليه, راض بذلك القفز الواضح على نصف الحقيقة, انها جريمة تغييب عن الوعي تتم برضا الطرفين, وجريمة تخدير بين مدمن وتاجر مخدرات, مدمن اعتاد على ان يخدر نفسه كونه دائما مضطهدا مظلوما صاحب امجاد وبطولات وهناك من يتآمر عليه ليسلبه ذلك المجد, وتاجر مخدرات يعطيه ما يطرب اذنيه وما يريح عقله, وما يمكنه من مواصلة هذيانه! بحجة عدم جلد الذات وبحجة محاربة التغريب وبحجة انصر اخاك ظالما او مظلوما وبحجة عدم مساعدة العدو (دائما هناك عدو) ينقل الخبر لنا مبتسرا ناقص المعلومة, يقتطع منه الجزء الذي يكدر خواطرنا و يسيء لصورتنا ويساند ادعاءات اعدائنا عن سبق اصرار وترصد, فقد وجدت الان فلاتر التنقيح التي تمتهن تجميل صورتنا امام انفسنا في كل وسائل اعلامنا, تماما مثلما نتهم الاعلام الغربي وسيطرة اللوبي اليهودي عليه واخفاء المعلومة عن الشعوب الغربية, نقوم نحن اليوم بنفس العمل, فتضافرت جهود الوصوليين في اجهزة اعلامنا كي يبيعوا لمدمني الاخبار من الشعوب العربية ما يحبون سماعه وما تطرب له آذانهم, فالخبر ينقل وفقا لطلب المستمعين لا وفقا لما حدث, وما اسهل تحريف الكلام عن مواضعه, انها مهنة رائجة هذه الايام لو تعلمون. على سبيل المثال لا الحصر والاقرب للذاكرة اليوم خبر مثل القبض على تيسير علوني السوري الاصل الاسباني الجنسية مراسل قناة الجزيرة والتحقيق معه بتهمة تقديم المساعدة لاعضاء من تنظيم القاعدة, وبعيدا عن براءة او عدم براءة علوني, وتركيزا على الناحية المهنية الاعلامية فقط, سيكتشف المتابع خير مثال على ما نقوله في المقارنة بين الكيفية التي تعامل بها الاعلام العربي مع خبر اعتقاله, فقد تناقل المراسلون العرب خبر الاعتقال وفقا لانتمائهم, و بثته وكالات الانباء وفقا لمزاج مراسليها, وعرضته القنوات التلفزيونية حسب طبيعة مشاهديها, وكتبت الصحف عنه حسب ميول مسئوليها, وكل باعنا المعلومة بناء على قوانين البيع والشراء, وبمقارنة واحدة بين الخبر وتفاصيله في عدة صحف ستدرك بسهولة كيف تمت الانتقائية والحذف والتقديم والتاخير وكيف خرج الخبر حسب طلب المشاهدين اقصد القراء في كل صحيفة, فقد تلاعبت الصحف بالعناوين وقدمت فقرات وتوسعت فيها وأخرت فقرات وقلصتها لتميل لتبرئته اولادانته!! فمن احب تيسير علوني وما يمثله اسهب في اقوال محاميه و تجنب ذكر ادلة المدعي العام, والعكس وجد في الصحف العربية الاخرى (لكنها قليلة) فلعلوني معجبون في عالمنا العربي لا يجب تكدير خواطرهم!! وهذا مثال واحد كما ذكرنا وباقي الامثلة لا يختلف كثيرا خصوصا في ايامنا هذه حيث الشعوب العربية في قمة تخبطها وتخاف ان تصحو على واقعها وحقيقتها ففضلت البقاء في (العالي) او في (الطراوة) على حد تعبير اخواننا المصريين. الخلاصة ليتنا اذا نكف عن اتهام الآخرين بالتحيز و قول نصف الحقيقة فكلنا في الكذب اعلام!! كاتبة بحرينية