من الواضح للعيان أن نهاية صدام لم تكن كما هو متوقع نهاية لمعاناة العراقيين، فهذا التوقع الذي تبناه المتفائلون، كان مشكوكا فيه منذ البداية، لأسباب معروفة في مقدمتها أن قوات التحالف الانجلو أمريكي لم تأت من أجل إنقاذ العراقيين من مآسيهم الطاحنة، حتى وإن تسترت بذرائع مشكوك في أمرها مثل الديمقراطية وغيرها من العناوين الخادعة، كما أن بريطانياوأمريكا هما وجه لعملة وجهها الآخر إسرائيل، إلى جانب أن هدف نهب ثروات العراق، والتحكم في نفطه يحتل رأس القائمة من أهداف هذا الغزو . ويتجسد هذا الاستعمار الجديد، بل هو الاستدمار الجديد في تعيين مسؤوليين أجانب للتحكم في مصير الشعب العراقي ومقدراته، وكأن هذا الشعب الذي أنجب أعرق الحضارات وقدم للمدينة أبرز أعلامها وانتشر مفكروه وسياسيوه في كل بقاع الدنيا هرباً من جبروت الرئيس المخلوع .. كأن هذا الشعب بطاقاته البشرية الكبيرة غير قادر على قيادة نفسه، وهذه مفارقة بل واحدة من المفارقات التي لا يصدقها عاقل. من يريد تحرير شعب كيف يكبله بقيود اقتصادية وسياسية من يريد تطبيق الديمقراطية كيف يتدخل في تقرير مصير شعب ودولة لها كيانها وسيادتها الدولية ؟ من يريد للشعب العراقي أن يحكم نفسه بنفسه كيف يفرض عليه قيادات أجنبية لا تعني سوى الاستعمار عفوا أقصد الاستدمار ؟ ثم ماذا يعني مصطلح التحرير أو الديمقراطية أو الإرهاب في القاموس الأمريكي، الذي يختلف تماماً عن القاموس الدولي من حيث النظرية والتطبيق . وما دام العهد الجديد الذي تريد أمريكا فرضه على المنطقة، يسير في هذا الاتجاه، فهو عهد بائد لا محالة إن عاجلاً أو آجلا، وعلى أمريكا أن تعيد النظر في تفاصيل أجندتها السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تريد فرضها على العالم تحت مظلة الشعارات الزائفة . العراق وشعب العراق كأي دولة تنشد الحياة الحرة الكريمة، لا يمكن أن ترضى بالاستدمار الجديد، مهما قيل عن مبرراته وأهدافه. فمتى تنتهي سحب هذه الغمة من سماء العراق ؟