لم يبدأ الألم يوم دخلت الطفلة المستشفى، بل بدأ منذ اكتشاف الأب أن الطفولة قد تُبتلى بما لا يُحتمل، وأن الجسد الصغير قد يتحول إلى ساحة معركة قبل أن يعرف معنى الحياة. كانت ابنته مختلفة منذ البداية، لم تأتِ إلى الدنيا محمّلة بالضحك كما يأتي الأطفال عادة، بل جاءت وكأنها تحمل عبئاً أكبر من عمرها. كبرت قليلاً، لكن المرض كبر معها، صار رفيقاً ملازماً لجسدها، يقتطع من طفولتها شيئاً فشيئاً، ويحوّل البيت إلى مساحة انتظار طويلة لا تنتهي. لم تكن تعرف الطفولة كما يعرفها الآخرون، لم تركض طويلاً دون أن يسبقها التعب، ولم تنم نوماً عميقاً كما ينام الأطفال حين يطمئنون للعالم. كانت تستيقظ كثيراً، لأن الألم كان يستيقظ معها، حاضراً بلا موعد، ثابتاً بلا رحمة، وكان الأب حاضراً أيضاً، يراقب أنفاسها كما يراقب الغريق سطح الماء، ويستمع إلى صمت الليل وكأنه إنذار، ويشعر بأن الوقت لم يعد وقتًا، بل احتمالاً ثقيلاً لا يُحتمل. في إحدى الليالي جلس قرب سريرها الصغير، كانت أنفاسها متقطعة، ووجهها الشاحب لا يشبه وجه طفلة في عمرها، فتحت عينيها ونظرت إليه طويلاً، نظرة لا تسأل سؤالاً مباشراً، لكنها تحمل معنى كاملاً لا يُقال، ولم يكن هناك جواب يمكن أن يُمنح لطفلة بهذا الحجم من الألم، فبقي قريباً منها، كأن القرب هو الشيء الوحيد الذي لا يزال قادراً على المقاومة. حين بدأ يبحث عن علاج حقيقي، اكتشف أن الألم لا يقف عند المرض فقط، بل يمتد خارج الجسد، إلى الطرق والأبواب والمسافات. سمع الجملة نفسها تتكرر ببرود قاتل: «هناك علاج لكنه ليس هنا.. هناك فرصة لكنها في مكان آخر.. هناك أمل لكنه بعيد»، وكانت كلمة «بعيد» لا تعني مسافة، بل زمناً قد لا يحتمل، وانتظاراً قد يكون أثقل من قدرة جسد صغير على الاحتمال. حمل الأب تقاريرها الطبية كما يحمل ما تبقى من طمأنينة، وبدأ يطرق الأبواب، يدخل الأماكن ومعه طفلة تتألم في قلبه، ويخرج منها بعبارات باردة، كأن الألم يمكن أن يُختصر في ملف، وكأن الطفولة قد تتحول إلى رقم، وكأن الحياة يمكن أن تُؤجل بجملة واحدة: قيد الإجراء.. قيد الإجراء، بينما جسد الطفلة قيد الانهيار. المرض لا يعرف الإجراءات، لا ينتظر توقيعاً، لا يمنح مهلة إضافية، والطفولة لا تفهم معنى التأجيل، ومع ذلك يُطلب من الأب أن ينتظر، وكأن الحياة يمكن أن تُرحّل، وكأن الألم يحترم المواعيد، وكأن الجسد الصغير يستطيع أن يصبر حتى ينتهي الدور. صار الليل مساحة للترقب، وصار النهار رحلة بحث لا تنتهي، وكان يرى المرض يأخذ منها شيئاً كل يوم، ويرى الانتظار يأخذ من الحياة معناها شيئاً فشيئاً. لم يكن يريد امتيازاً، لم يكن يطلب أكثر من فرصة عادلة، فقط فرصة لا تأتي متأخرة، فرصة تسبق الألم بدل أن تلحقه، فرصة تجعل الطفلة تعود إلى مكانها الطبيعي في الحياة، لا في قائمة الانتظار. لكن الحقيقة كانت أقسى من كل ذلك: أن الطفلة لا تعرف شيئاً عن الأنظمة، ولا عن الإجراءات، ولا عن معنى «بعيد»، هي تعرف شيئاً وأحداً فقط.. أنها تتألم، طفولة كاملة تُختصر في عينين مرهقتين، في جسد كان من المفترض أن يكون مشغولاً باللعب لا بالوجع. وهنا لا تكون المأساة في المرض وحده، بل في أن الإنسانية قد تتأخر، أن يصبح الألم مشهداً يمكن التعايش معه، وأن يتحول الانتظار إلى مسار طبيعي، وأن يُطلب من الأب أن يطرق أبواب الرحمة، وكأن الرحمة خيار لا واجب، وكأن حق الطفولة في النجاة أمر يمكن تأجيله. فالمرض قد يكون ابتلاء، لكن القسوة ليست فيه وحده، القسوة حين يتأخر الضمير الإنساني عن أداء دوره، حين يعرف من يستطيع أن ينقذ، لكنه لا يفعل في الوقت الذي يجب أن يفعل فيه، حين تتحول القدرة إلى تأجيل، والمسؤولية إلى انتظار، والإنسان إلى حالة. وهنا تتكشف الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها: ليست كل الخسائر يصنعها المرض، بعض الخسائر تبدأ حين يُؤجَّل ما لا يحتمل التأجيل، حين تُقدَّم الإجراءات على الإنسان، وحين تُترك الطفولة في منتصف الطريق.. لا لأنها لا تستحق النجاة، بل لأن النجاة لم تصل في وقتها.