في محاولة شعرية سابقة ، نظمت أبياتا، وبعد فترة ليست بالقليلة من الزمن، تذكرت خلال مراجعتي النص أنني لم أمرُ بتجربة حب حقيقية، إذ إن التجربة التي وصفتها في النص عبارة عن شغف، وشوق، وعاطفة متوقدة، أي أنها تجربة إحساس وليست تجربة مشاعر، ترجمها العقل إلى أفعال على أرض الواقع. عندما سُئل الفرنسي جاك دريدا – في مقابلة صحفية – عن معنى «الحب»، أجاب، بكل بساطة، أنه لا يعرف شيئا عنه، وأن «رأسه فارغ» بشأن الحب. وعندما أصرت الصحفية على أن يُعرفه حتى ولو من وجهة نظر الفلاسفة – خصوصا أن أفلاطون تناوله - أجاب بتساؤلات عن «ماهيّة الحب»، أي بسؤال فلسفي وجودي، فقال: «إذن، السؤال الأول الذي يمكن طرحه هو عن الفرق بين «ماذا» و«من». فهل الحب هو حب شخص ما أم حب شيء ما؟ لنفترض أنني أحبُ شخصا، فهل أنا أحبه لكونه فريداً تماماً؟ أحبك لأنك أنت! أم أنني أحب صفاتك: جمالك وذكاءك؟.. هل قلبي يحب شخصا لتفرده المطلق أم يحب الطريقة التي يكون عليها هذا الشخص؟ غالباً ما يكون الإغواء بداية الحب. فنحن ننجذب إلى ما هو عليه الآخر. لذلك يموت الحب عندما نقول لأنفسنا: في الواقع هذا الشخص لم يكن يستحق هذا الحب على أي حال، لم يكن كما كنت أعتقد في تلك اللحظة. عليه، فإن الحب يموت لأننا أحببنا الآخر ليس لشخصه؛ وإنما لأنه كان هكذا وهكذا. لذلك كنا نحب شيئاً ما أكثر من شخص ما. لنعد للسؤال الفلسفي الأول: ما هو الوجود؟ هل الوجود شخص ما أم شيء ما؟». في شرحه الحب، نجد دريدا تحدث عن الإشكاليات التي تعتري هذا المفهوم، وتحدث عن بدايته المتمثلة في «الإغراء»، وانتهائه المتمثل في «خيبة الأمل»، أو بما نسميها بالشعبي «خيبة تعب»، كما قال أحد الشعراء عندما ذهب ليخطب امرأة، ورفضت الزواج منه، فتمثل قائلا: «يا طرشةٍ ما بها فودي ... حوّلت من ضبع ببواعه». أيضاً، لم يتحدث عن أن الحب ليس اختيارا عقلانيا واعيا. وأبلغ من عبر عن ذلك الشاعر بدر بن عبدالمحسن - رحمه الله - في قصيدته التي غناها محمد عبده عندما قال: «ابعتذر عن كل شي ... إلا الهوى ما للهوى عندي عذر ... تصدقي ما اخترت أنا أحبك ... ما حدٍ يحب اللي يبي». كما أن حالة الحب نادرة واستثنائية، لا يمكن التنبؤ بها أو مقاومتها، وعبر عنها الشاعر جزا بن صالح الحربي -رحمه الله- بقوله: «الحب مثل النوم، والنوم سلطان... والله بلاني في محبتك بليا... كني كسيرٍ شم له عود ريحان... نوبٍ يفيق ونوب يذهل ذهليا». وعلى الرغم من ذلك، فإن ما يهم الكثيرون ليس معرفة بداية الحب ولا نهايته، ولا حالته الشعورية المباغتة، وإنما كيفية المحافظة عليه لأطول مدة ممكنة. في مقالي «الحب والعدالة» هنا في صحيفة «الوطن»، بتاريخ 16 يناير 2022، ذكرت أن «العلاقات التي يقوم أساسها على العاطفة، قد تدوم لمدى زمني بعيد إذا قامت على مبدأ «المقايضة» أو «المبادلة» أو «المعاوضة»، وهو مبدأ فقهي-قانوني يعني «بيع السلعة بالسلعة»، بمعنى أن نأخذ شيئا من شخص ما ونعوضه بشيء مثله أو أفضل منه، سواء بالقيمة أو النوع. فبمثل هذه العلاقة يتولد شعورا ب«التبعية المتبادلة» أو «الاستدانة المتبادلة»، كما وصفها بول ريكور؛ أي أن كل طرف بالعلاقة يشعر بأنه مدين للآخر». هذه «الاستدانة المتبادلة»، التي يتحدث عنها ريكور، لا تعني أن العلاقة تتحول إلى صفقة تجارية جافة، بل تعني أن العلاقة العاطفية تحتاج إلى ميزان معاوضة، يقوم على الأخذ والعطاء. فالعلاقة التي تقوم على العطاء من طرف واحد، سرعان ما تتحول إلى عبء نفسي، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى الشعور بالعدل. فالحب قد يبدأ بالإغواء -كما وصفه دريدا- وقد ينتهي بخيبة الأمل. لكن ما يطيل عمره هو أن يتحول إلى معادلة أخلاقية نظامها التبادل العادل: عطاء يقابله عطاء، واهتمام يقابله اهتمام. فحين تختل هذه المعادلة، يتحول الحب إلى علاقة غير متكافئة، ويبدأ أحد الطرفين بما يسميه علم النفس «الإنهاك العاطفي»، وهو شعوره بأنه يدفع ثمن العلاقة وحده، وهنا يظهر الفرق بين الحب بوصفه شعورا، والحب بوصفه نظام علاقة أو عقد معاوضة معنوي. فالشعور قد يأتي فجأة، كما يأتي النوم الذي وصفه الشاعر «جزا» بأنه «سلطان». أما العلاقة فهي بناء يحتاج لميزان عادل. إنها حالة أشبه بما وصفها الشاعر أسير الشوق في قصيدته التي تغنى بها محمد عبده: «اختلفنا من يحب الثاني أكثر... إني أكثر وإنك أكثر... لو تزاعلنا نسامح... الهوى شي مقدر».