اللغة بطبيعتها انعكاس لبنية المجتمع ومؤسساته، ومن خلال أحوال اللغة على المستوى الاجتماعي والنتاج العلمي المكتوب بواسطتها يمكن إماطة اللثام عن أحوال المجتمع والكشف عن حالته الحضارية. ويمكن تطبيق هذا الكلام على حالة الشعوب الفارسية قبيل سقوط المملكة الساسانية وتحولهم لشعوب ناطقة باللغة العربية. المجتمع الفارسي وعلاقته المركبة بالمجتمع العربي واندماجهم فيه كانت معقدة ومتعددة الأبعاد. كيف كان مستوى الإنتاج المعرفي للأفراد عندما كانوا يستعملون اللغة الفهلوية قبيل الفتح الإسلامي؟ وكيف صار نتاجهم بعدما تعربوا وأصبحوا عربا؟ علاقتهم باللغتين تكشف لنا مقدار التحول الحاد من شعوب بلا نتاج علمي حقيقي إلى شعوب فاعلة ومساهمة في الحركة العلمية في حضارة عربية اللغة والثقافة. فاللغة هنا تكشف لنا أن التحول لم يكن مجرد غلبة سياسية بل إعادة تركيب حضاري للشعوب الفارسية الناطقة باللغة الفهلوية، وبالتالي يمكن القول: إن الفتح الإسلامي نقل الأفراد من حضارة قومية مغلقة إلى حضارة متعددة الأعراق والثقافات وذات بيئة علمية مفتوحة. وهنا نطرح تساؤلا بسيطا: ماذا تكشف اللغة الفهلوية عن المجتمع الفارسي قبيل السقوط؟ الفهلوية لم تكن لغة تداول علمي واسع بين الناس، ولم تنشأ للفرس شبكة علمية عابرة للأقاليم بلغتهم القومية بل ظلت ثقافتهم قومية مغلقة نسبيا. الفتح الإسلامي فكك البنية القومية الفارسية المغلقة ودمج الأفراد في منظومة أممية أوسع. المجتمع كان طبقيا صارما والمعرفة محتكرة في يد رجال الدين والبيروقراطية فلم تتشكل بها لغة علمية عابرة للأقاليم. وهذه الطبقية الحادة في المجتمع أدت لتأخر المجتمع حضاريا، ولكن بعد دخولهم في حضارة واسعة متعددة الأعراق لغتها العربية، والعربية هنا لغة دين عالمي ولغة إدارة وعلوم لغة شبكية ممتدة من الأندلس إلى خراسان، انفجرت الطاقات لأن البيئة الجديدة أكثر انفتاحا معرفيا وأكثر تنافسا فكريا وكلاميا وأقل احتكارا دينيا للمعرفة. اللغة الفهلوية عاشت وسط نظام اجتماعي لم يشجع إنتاجا معرفيا واسعا وبالتالي لم تتحول إلى وعاء علمي عالمي، فظلت بلا تقاليد فلسفية وعلمية منهجية، ولم تكتب بها العلوم الرياضية والنظرية المؤثرة عالميا، بمعنى أن الفتح الإسلامي نقل الفرس من حضارة مغلقة معرفيا إلى فضاء حضاري أوسع وأكثر انفتاحا. لأنه قاد إلى انهيار النظام الطبقي الزرادشتي المغلق، وأنهى احتكار الكهنوت للمعرفة، وأدمج الفرس في شبكة حضارية أوسع وأكثر تقدما وانفتاحا. المعرفة قبيل الفتح الإسلامي كانت مرتبطة بالكهنوت الزرادشتي، فلا يوجد سوق فكرية وجدلية مفتوحة ولا يوجد مشروع ترجمة كوني. ولم تحظ اللغة الفهلوية بمشاريع لغوية لتقعيدها نحويا ووضع معجما معياريا لها. وحركة التدوين كانت بطيئة جدا أو شبه معدومة، فقد كان هناك غياب لمشروع معرفي واسع في المجتمع، أي أن الفتح يمثل نقلة نوعية من بنية معرفية مغلقة إلى بنية معرفية متعددة الأعراق ومفتوحة التنافس العلمي. الفهلوية كانت لغة بلاط وكهنوت زرادشتي، وهذا يكشف أن المعرفة كانت مؤسسية ومحصورة في طبقة محددة، ويعكس أن النصوص المكتوبة بها محدودة الانتشار، ما يدل على أن القراءة والكتابة لم تكونا من المهارات الاجتماعية العامة، وهذا يفسر مسألة غياب السوق المعرفية المفتوحة، فلا توجد مناظرات علمية مفتوحة للعامة، ولا حركة ترجمة منظمة، ولا رحلات علمية، أو حلقات علم، أو شبكة علماء يتراسلون عبر أقاليم مختلفة، ويناقشون مسائل علمية شائكة. ولكن بعد أن اعتنقوا الإسلام وأصبحوا عربا من ناحية الثقافة واللسان تدريجيا، دخلوا فضاءً جديدا وصاروا جزءاً من شبكة علمية عابرة للأقاليم، وانتقلوا تدريجيا من لغة خاملة علميا إلى لغة جديدة، تنطق بالفلسفة والمنطق والرياضيات النظرية وعلم الكلام، وقبل كل ذلك لغة كتاب مقدس وديانة سماوية. التراث العلمي المكتوب بالفهلوية كان محدودا جدا أو شبه معدوم، وهذا انعكاس واضح لتخلف البيئة العلمية، فقلة النصوص العلمية تشير إلى أن المجتمع لم يكن لديه مشروع علمي واسع، وأن طبقات المجتمع لم تكن مهيأة لإنتاج علمي ضخم أو تأسيس مشروع للتدوين. والإسهامات العلمية لبعض الشخصيات ذات الأصول الفارسية بعد الفتح الإسلامي كان ضمن البيئة العلمية في المجتمع العربي الإسلامي، وليس نتيجة حضاراتهم السابقة، والذين أسهموا علميا كانوا قد تعربوا لغويا وثقافيا، وكتبوا وفكروا بالعربية وبالأدوات المعرفية العربية.