المشترك الإنساني هو ما يقتسمه الناس بينهم على اختلاف أعراقهم وثقافاتهم ودياناتهم وحضاراتهم، سواء في الوطن الواحد أو في أوطان متعددة على مستوى العالم أو على مستوى الكون ككل، ولقد أسهمت عدة عوامل في ظهور هذا المصطلح، منها: *الثورة التواصلية والتعددية الثقافية، *وتطور مفهوم ثقافة حقوق الإنسان، * رد فعل على نظرية "صدام الحضارات" و"نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، *والأخطار المهددة للسلم الاجتماعي العالمي وللبيئة الكونية،*وتزايد معدل الهجرة العالمية، *وتضاؤل مفهوم القومية أمام مفهوم العالمية والعولمة. وما جائزة خادم الحرمين العالمية للترجمة في دورتها السابعة الا تأكيدٌ على مفهوم المشترك الإنساني وأن أبناء بني آدم بمختلف ألوانهم وأجناسهم وبلدانهم ينتمون إلى جنسٍ واحد مهما اختلفت تلك الألوان واللغات، وكما قال صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن عبدالله خلال حفل تسليم الجائزة: (من قلب جزيرة العرب ومن منطلق الإشعاع الإنساني أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود جائزته العالمية للترجمة، وأحاطها بالرعاية والمتابعة إيمانا منه بأهميتها الحضارية والثقافية والعلمية في تحقيق التواصل بين شعوب العالم) فالترجمة ليست مجرد نقل فكري من لغة لأخرى، ومن أمة إلى أمة أو من جيلٍ إلى جيل بل هي عملٌ معرفي ثقافي وحضاري كبير، ينقل روح الشعوب وحضارتها لتصبح مشتركاً إنسانيا يشمل معارفها وعلومها وابداعاتها وعواطفها ومشاعرها، والمملكة العربية السعودية ممثلة بجائزة خادم الحرمين الشريفين تسعى إلى تعزيز القيم الإنسانية وتشجيع العمل الثقافي والعلمي ونشر حركة الترجمة العالمية وفق أسس مبنية على الأصالة والقيمة الفكرية والعلمية والأدبية، فالترجمة هي ناقلة الفكر الحضاري عبر الأزمنة المتعاقبة، وهي التي تعمل على ترسيخ ثقافة الحضارات ومزجها في نسيجٍ واحد، فكل الحضارات تنصهر لتكوّن فكرا حضاريا يخدم شعوب الأرض، بالإضافة إلى أن المشترك الإنساني يسعى إلى دعم الوسطية والاعتدال، وينبذ الغلو والتطرف، ويرسخ تقبل الآخر، ويرفضُ إقصاءه بل التعايش لتحقيق السلام وترسيخ العدالة في الأرض، فالترجمة هي إذن ناقلة تلك الثقافة. والمشترك الإنساني من قيم التواصل والحوار يشكل العمود الفقري لما تنتجه الإنسانية من معارف وعلوم وثقافات وفلسفات وآداب وفنون، إذ إن الترجمة هي الجسر الحاضن لنتاج الفكر الإنساني، وهي أيضا الجسر الموصل لهذا النتاج في مختلف أرجاء الكون. وقديمًا أدرك العرب ومن تعلم لغتهم من الأجناس الأخرى أهمية تعلم الألسن فنبغوا بميدان الترجمة سواءٌ من الفارسية أو اليونانية أو الرومانية أو غيرها من وإلى اللغة العربية. ولما كانت الترجمة تعنى بتحويل النص الأصلي المكتوب أو المصدر إلى لغة أخرى بهدف نقل الحضارة والثقافة والفكر واللغة، فقد أصبحت العضد والساعد في مد جسور التواصل بين الشعوب والمساعدة على إزالة أسباب الصراع بين الثقافات، وفي القديم عرفها العرب حين احتكاكهم بالشعوب الثلاثة المحيطة بهم، الروم من الشمال، والفرس من الشرق، والأحباش في الجنوب، إذ كان من الصعوبة بمكان أن تكوّن علاقات اقتصادية أو اجتماعية دون وجود لغة مشتركة ولسان يجمع الشعبين. وتاريخيا بدأت حركة الترجمة في الدولة الأموية عند الأمير خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ومن ثم ازدهرت في الدولة العباسية بعد اتساع الفتوحات والتوجه نحو الشرق والغرب، وازدادت الحاجة للترجمة في العصر العباسي لنقل علوم اليونان في الطب، والفلك، والرياضيات، والموسيقى، والفلسفة، والنقد، وحينما أسس المأمون دار الحكمة في بغداد استقطب المترجمين إليها كحسن بن إسحاق، ويحيى بن البطريق، وابن الحمصي، وأبو بكر بن متّا، وأغدق عليهم الأموال لإدراكه أهمية الترجمة في بناء الحضارات وتواصل الشعوب، إذ لا تتلاقح الأفكار، ولا تتبادل الرؤى، ولا يكون الحوار الفردي أو الجماعي بدون ذلك العامل المشترك، وهو التحول إلى لسانٍ واحد ليفقه كلٌ منهما الآخر، وها هم الفائزون بجائزة خادم الحرمين العالمية للترجمة في دورتها السابعة هم أحفاد أولئك، فمروان جبر الوزرة، وحسان سلمان، وسليم مسعودي، وعبدالسلام اليغفوري، وسمية شعلال، وصالح ضحوي العنزي، وها هم زملاؤهم بيتر ادامسون، وبيتر بورمان، وغيرهم من الفائزين بالجائزة، ساروا على النهج نفسه في إفادة البشرية والعمل على تحقيق سلامها ووئامها بما وهبهم الله من قدرات ومعارف. وحين تهتم المملكة العربية السعودية بهذا الفن، وبهذا الفكر، وبهذه الثقافة فهو لإدراكها أهمية حوار الحضارات وتبادل الثقافات والاطلاع على فكر الآخر، والإفادة منه، ونقل المعلومة من مصدرها الأساس. وقبله ما يحتمه عليها دينها الإسلامي الداعي إلى التفكر في ملكوت السموات والأرض والدعوة إلى الله على بصيرة وإعمال القلم فيما يخدم الإنسانية ويرقى بها لتحقيق العدل والمساواة. وقد جاءت جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة من هذا المنطلق، ولتؤصل هذا المبدأ وتحقق هذا الغرض، وبرز دورها وفاعليتها من الإيمان بوجود ناقل للفكر، بصفة الترجمة أحد شرايين حوار الأديان والثقافات، فاختيار الأعمال التي ترشح لهذه الجائزة لا تقل أهمية عن دور الترجمة نفسها وما تمثله من قيمة علمية ومعرفية وما يبذل فيها من جهد لإتقان الترجمة، وتلكم الجائزة تفتح آفاقًا رحبة للتواصل المعرفي والعلمي والإنساني بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى، وهو الهدف التي تنفتح عليه عالمية الجائزة أبواباً واسعة لتحقيق الأغراض المنشودة، فجائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة تنطلق من رسالة ورؤية واضحتين، رسالة للعالم أجمع بأن العرب والمسلمين أهل حضارة وثقافة وعلم وحب للتقارب بين شعوب الأرض، ورؤية إلى مستقبل مشرق ينظر إلى العالم بحب وتسامح وسلام، وأن هذا العالم لا غنى عن بعضه البعض يشد بعضه بعضا، فالمعلومة الغربية تجدها بالمشرق. وهذا نابعٌ من قيم ودين، تدين به أمة عرفت للعلم حقه، وأدركت أهمية القلم ودوره في بناء حضارة، وهدم هوّة الخلاف والشقاق وفهم الآخر.