بعد أن كان أغلبهم في دائرة الظل، وعلى هامش الحياة، جاءت بهم وسائل التواصل محض صدفة، وفي غفلة من الزمن لتنقلهم بسرعة مذهلة إلى ساحات الشهرة الإلكترونية الهُلامية، فلبسوا ثياب الزيف، وزين لهم جهلهم وغرورهم أنهم قادة فكر، ووعي، وصناع رأي. ويرى الكثير من المهتمين بالشأن الاجتماعي بداية انحسار الأضواء عنهم ومعهم ثقلاء يكشفون عن شخصياتهم بما يكتبونه على منصاتهم من حماقة وركاكة أسلوب، وهي عوامل أقنعت الكثير من المتابعين أنهم يُهدرون أوقاتهم في مشاهدات عبثية لا تفيد وأورام مقاطع بنكهة فلاتر ظهر فيها «أخفاق المعاجين» كما قال الدكتور غازي القصيبي رحمه الله. وفئة من أولئك «المشحونين» بهوس المال، وأحلام الثراء وأعداد المتابعين، وبريق الفلاشات، سلكوا طريق الإعلانات عن سلع، محلات، خدمات فيها من إراقة ماء الوجه، وسوء التعبير، وفقد الضمير. والإعلانات في بلادنا عبر وسائل الإعلام التقليدية لا تزال وستبقى فناً وعلماً يخضعان للرقابة، من خلال جودة المنتج، والاهتمام، ومراعاة الذوق العام، بعكس ما يحدث اليوم في الفضاء المفتوح. وكظمت غيظي وأنا أستمع إلى تبرير أحدهم بعد عتاب أصدقائه له حين وصف مكاناً بما ليس فيه فقال: «بصراحة الإعلان يعني لي العائد المادي، وماعدا ذلك لا يهمني فأنا أردد كالببغاء في منصتي، ما يُمليه عليّ المُعلن من كلمات أكيل له فيها ولسلعته المديح». وآخر يقول «إنني أكتب ما أريد، وأعلم أن هناك من يضحك على ضعف المحتوى، لكن مجاملات الأصدقاء وردودهم تزيد من غروري، وصدقت نفسي أنني من أهل الثقافة والتأثير!!» وربما لو أصدقوني القول لما تجرأت بكتابة كلمة واحدة. ورغم ذلك يتبقى نماذج من المؤثرين الرائعين ممن حملوا المسؤولية عبر رسائلهم الإيجابية في جميع مايبثونه من مواد فيها جودة المحتوى والمضمون، فحازت على الثناء والتقدير والتكربم، ومنصاتهم النقية خير دليل على ذلك. والسؤال اليوم هل ظاهرة فقاعات الشهرة وببغاوات المؤثرين بالإعلانات وغيرهم إلى الزوال؟ المؤشرات تقول نعم، خاصة بعد نجاح فكرة إطلاق المؤثرين الافتراضيين مؤخراً عن طريق الذكاء الاصطناعي، وأخذها زمام المبادرة كمرحلة جديدة من القدرة على الإقناع والتأثير وبتكاليف زهيدة. يقول الباحث والكاتب العراقي منتصر الحسناوي في كتابه «ثقافة الإلغاء»: مع تطور الذكاء الصناعي ظهر المؤثرون الافتراضيون، أو CGI:Computer Generate Influncers وهم أشخاص خارج الصورة النمطية للعالم الافتراضي المتعارف عليه، رقميون خياليون، خياليون تم إنشاؤهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولديهم خصائص وميزات وشخصيات البشر الواقعية، واخترعوا لهم ما يسمى «بالانفلونسرز الافتراضيين» أو المؤثرين من خلال صور يقوم المبرمج بتوليدها، تمر بمراحل معالجة طويلة من التطوير، وتبدأ بفهم من هم المتابعون؟ وماهي اهتماماتهم؟ وماهي نوعية الأشخاص المُتقبلة للمؤثرين عليهم؟.. ثم يبدأ بناء الشخصية مروراً بتطوير لون البشرة والعيون وتعابير الوجه. وأكد أنهم بأشكالهم وتنوعهم الملفت، أصبحوا قوة حقيقية لا يُستهان بها، يتنافسون من أجل استقطاب أكبر شريحة من المتابعين. ويرى الكاتب أن ثقافة الإلغاء لها سلبياتها، لكن من إيجابياتها التعبير عن سلوك جماعي، يتجسد في المحاسبة أو المقاطعة لأفعال أو آراء غير مقبولة اجتماعياً، أو أخلاقياً، يكون ميدانها وسائل التواصل.