في قلب السباق التكنولوجي الذي يخوضه العالم اليوم، ومع الوتيرة المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي، تلوح أمامنا أسئلة ميتافيزيقية عميقة تتجاوز حدود التقنية والقانون، لتلامس جوهر الإنسان نفسه. ما الذي يعنيه أن نُنشئ كائنًا مبرمجًا ليكون «شخصًا واعيًا»؟ وما المخاطر الفلسفية والأخلاقية التي تنشأ حين يسعى الإنسان إلى استبدال نقصه بكيان مثالي يتفوق عليه في وعيه وقدراته؟ يشير خوسيه ماريا لاسال في كتابه «الحضارة الاصطناعية» إلى أن ما نعيشه ليس مجرد ثورة تكنولوجية، بل انتقال حضاري جديد يضعنا أمام مواجهة بين الأصالة الإنسانية والاصطناع المبرمج. فالحضارة، كما نفهمها تقليديًا، ارتبطت بالإنسان؛ أما اليوم فهي تتعرض لاختبار قاسٍ حين يقترن مفهومها بذكاء غير عضوي، قائم على الخوارزميات والأنظمة الآلية. هنا ينشأ التوتر: هل نحن بصدد توسعة الوجود الإنساني أم استبداله؟ تتباين نماذج الذكاء الاصطناعي بين مسارات عدَمية تقودها أمريكاوالصين، حيث يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة سلطة: في الصين أداة للدولة-المنصة التي تهيمن على المجتمع، وفي أمريكا أداة للشركات الكبرى التي تعيد صياغة السوق وفق نزعات الاستهلاك والرغبات اللاواعية. أما أوروبا، فتطمح نظريًا على الأقل إلى صياغة نموذج إنساني أكثر أخلاقية، لكن ضعف إدماج البُعد القيمي في تشريعاتها يهدد بتحويل هذا الطموح إلى مجرد خطاب. قانون الذكاء الاصطناعي الذي أقره البرلمان الأوروبي في مارس 2024 يمثل خطوة أولى، لكنه يظل محكومًا بالمنطق النفعي: ضبط المخاطر عبر حماية أكبر عدد ممكن من الأفراد. غير أن ما نفتقده هو رؤية أرسطية تقوم على الغاية والسبب: لماذا نريد الذكاء الاصطناعي؟ ولأي غرض نسعى إلى تطويره؟ هنا يتبدى الفرق بين منطق المنفعة ومنطق المسؤولية. إلى جانب المخاطر الأخلاقية، هناك بعد جيوسياسي واقتصادي لا يقل خطورة. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل قوة استراتيجية في صراع الهيمنة بين أمريكاوالصين، صراع يضاعف أثره في البيئة من خلال بصمة كربونية مرعبة قد تصل إلى 30 % من الانبعاثات العالمية في غضون عقدين. وهو أيضًا قوة قادرة على إعادة تشكيل أسس الديمقراطية الليبرالية نفسها، إذ يضعف الطبقة الوسطى التي كانت ركيزة دولة الرفاهية، ويجعل العمل الفكري أقل قيمة أمام سطوة الآلة. لكن الخطر الأعمق ليس سياسيًا أو اقتصاديًا، بل أنطولوجي. فالذكاء الاصطناعي هو تكنولوجيا بديلة، تسعى إلى محاكاة الدماغ البشري وإعادة إنتاج قدراته الإدراكية دون أن تعيش هشاشته، ولا الشيخوخة، ولا الوعي بالموت. هذا الغياب للزوال والقصور يجعلها كيانات «غير أخلاقية» بالمعنى الكانطي، إذ تفتقر إلى شرط التجربة الإنسانية الذي يُنتج الأخلاق. نحن نمنحها إمكانات الوعي، لكنها بلا ضمير؛ نُحملها بالقوة، لكنها بلا مسؤولية. وهنا يكمن ما يسميه لاسال «الحمض النووي الطوباوي»: اندفاع فاوستي إلى بناء كائن مثالي يتجاوز الإنسان، لكن دون أن يرث قيوده الوجودية. وسط هذا المشهد، يصبح سؤال الخير العام ضرورة وجودية: كيف يمكن ضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي في خدمة البشرية لا في خدمة منطق القوة والصراع؟ كيف يمكن توجيهه نحو مشروع إنساني يوازن بين التقنية والأخلاق، بين السلطة والمسؤولية؟ الجواب ليس بسيطًا، لكن لاسال يلمّح إلى أن الحل قد يكمن في استعادة ما أهملناه طويلًا: البعد الروحي واللاهوتي الذي كان دومًا رفيقًا للمعرفة. فيجب استحضار «الله» كرمز للحدود القصوى والمعنى الأسمى، إذا أردنا أن نجد إجابات لا تستطيع العلوم التطبيقية وحدها أن تمنحها. إننا، باختصار، ندخل في مغامرة الخلق من جديد، لكن هذه المرة في مختبرات الذكاء الاصطناعي. وهنا تكمن المخاطرة: هل سنظل أسياد هذا الخلق، أم سنجد أنفسنا يومًا ما خلف ما صنعناه، مجرد أشباح في حضارة اصطناعية لا مكان فيها للإنسان إلا كذكرى؟