اليوم أكمل وطننا العظيم 299 سنة، والسعوديون أحفاد الإمام محمد بن سعود يحتفلون به في يوم التأسيس، يوم منجزه الذي ولدت من خلاله واحدة من أعظم أمم الأرض، الأمة السعودية. في هذا اليوم بالذات، لا نحتفل بتاريخٍ على الورق، بل نحتفل بقرارٍ سياسيٍّ شجاع، ووعيٍ مبكر بسنن التاريخ: إن الفوضى ليست قدرًا، وإن القبيلة لا تعني التشظي، وإن وسط الجزيرة العربية ليس مساحةً تنتظر الغالب القادم من الخارج، بل وطنٌ يمكن أن يولد من الداخل، ويؤسس لنفسه سيادةً ودولةً ومعنى. لقد جاء الإمام محمد بن سعود في لحظةٍ كان فيها «الاستقرار» سلعةً نادرة، لا في الدرعية وحدها بل في نجد عمومًا، حيث تصف المصادر الحالة السياسية والمعيشية قبل سنة 1727 بأنها: تناحرٌ واختلافٌ وفرقة، وطرقٌ غير مأمونة، وتجارةٌ تهددها الغزوات، وأوبئةٌ تحصد الأرواح، وصراعاتٌ داخلية على إمارة الدرعية نفسها بين فروع أسرة المردة، وفي وسط هذا كله، تولّى الإمام الحكم في منتصف 1139 للهجرة (فبراير 1727)، لا بوصفه أميرًا جديدًا لبلدةٍ صغيرة، بل بوصفه حامل مشروع دولة، وهنا تبدأ واحدة من أهم الحقائق «قليلة التداول» عن يوم التأسيس وهي: أن الإمام محمد بن سعود لم يبدأ مشروعه بالتوسع العسكري، بل بدأه بإصلاح البيت الداخلي، وهذه نقطة فارقة في فهم «عبقرية التأسيس»، التي تكررت مع أحفاده، الإمام تركي بن عبدالله وابنه الإمام فيصل بن تركي، ثم الإمام عبدالعزيز بن عبدالرحمن (الموحد العظيم)، ثم وصولًا لزمان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي أسهم بذراعه المتين وولي عهده القوي الأمين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بإعادة التأسيس من داخل المنظومة الوطنية للدولة. وعودة على الإمام محمد بن سعود، فالمصادر تشير بوضوح إلى أن أول أعماله كانت توحيد شطري الدرعية (المليبيد وغصيبة)، تحت حكم واحد بعد أن كانت السلطة موزعة بين مركزين فيهما، ثم ركز الاهتمام على تقوية المجتمع الداخلي، وتنظيم الشأن الاقتصادي في «بلدة/ دولة» شحيحة المصادر، فقيرة الموارد، وعمل على بناء جيش قوي، ثم قام على نشر التعليم، وترسيخ التعلم، وهنا تم له اكتمال إرساء دعائم الاستقرار؛ وهذا المنهج في ترتيب الأوليات والأولويات ليس تفصيلًا إداريًا أو تنفيذيًا في إدارة الحكم، بل هو روح الدولة السعودية الأولى، التي مكنت الإمام المؤسس -طيب الله ثراه- من إعلان استقلال سياسي صريح، لا يدين بالولاء لأي قوة إقليمية؛ في وقتٍ كانت فيه بلدان نجد تعيش في ظلال ولاءات متفرقة. ومن هنا نفهم لماذا تحولت الدرعية في عهده من «دولة المدينة» إلى عاصمة لدولة مركزية، ولتمتد في عهد أبنائه إلى رقعة جغرافية شملت معظم جزيرة العرب، ولم يكن هذا التحول وليد لحظة عسكرية، بل نتيجة أربعين سنةً متصلة من الحكم (1139-1179/ 1727-1765)، وهي ظاهرة نادرة في بيئة كانت الانقلابات الصغيرة فيها تحدث كما يحدث تغير الفصول الأربعة في السنة. أربعون ربيعًا من الاستمرارية السياسية كانت وحدها كافية لتخلق ذاكرة دولة، وتخلق عادة الطاعة للنظام، وتخلق مفهومًا جديدًا لهيبة الدولة وللمصلحة العامة. ومن الحقائق التي تستحق أن تُقال في يوم التأسيس: إن الإمام محمد بن سعود لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان «صانع نخبة»، فقد حرص على تربية أبنائه وتعليمهم وإشراكهم في مهام الدولة؛ لصقل خبراتهم وتأهيلهم للقيادة، وهو ما يفسر استمرارية الدولة السعودية مشروعه، لا بوصفه إرثًا ملكيًا، بل بوصفه كيان دولة، وسياسة حكم قادر على الاستمرار حتى اليوم وإلى الأبد -بمشيئة الله- في ظل زمن اندثرت فيه معظم ملكيات الأرض، إلا النزر القليل، وغالب هذا القليل صوري الشكل والمضمون. وحري بنا أن ندرك ونعلم أن الدنيا لم تكن ناعمة الجانب، هينة الجناب مع الإمام أبي فيصل محمد بن سعود -طيب الله ثراه-، فقد دفع الإمام ثمن هذا البناء غاليًا؛ إذ فقد اثنين من أبنائه (فيصل وسعود) في معركة دفاعية لصد هجوم الرياض على الدرعية سنة 1746، وفقد الكثير من رفقاء الدرب والكفاح، وهذه ليست قصة انتصارٍ مجاني، بل قصة دولةٍ تأسست بالتضحيات الجسام. ويخطئ من يتخيل أن الإمام محمد بن سعود كان قائدًا صلدًا لا يعرف لغة المجتمع، فالمصادر تبرز جانبًا اجتماعيًا شديد الأهمية، فقد كان رجلًا كريمًا، معروفًا بالسخاء، يعين المحتاجين ويقضي حوائجهم وديونهم، بل تتجاوز الصورة ذلك إلى ما يشبه صنع «سياسات اجتماعية» مبكرة بمعايير ذلك العصر، وكان على رأسها السعي بنفسه لتزويج الشباب، وإعانتهم على ذلك، وهذا في حقيقته جزء من هندسة المجتمع الذي تقوم عليه الدولة، التي جعلت الأسرة عماد المجتمع وبالتالي عماد الدولة. وفي السياسة الخارجية، لم يكن الإمام محمد بن سعود رجل صدامٍ دائم، بل كان رجل «احتواء» بقدر ما كان رجل «حزم»، فقد حافظ على علاقات طيبة مع المدن المجاورة رغم التنافس، وكانت علاقته بالعيينة على سبيل المثال ودية وتوثقت بالمصاهرة، كما أن أمير الرياض دهام بن دواس كان مدينًا له بفضل كبير، ففي سنة 1738 حينما واجه دهام نزاعًا داخليًا هدد حكمه، استنجد بالإمام، فأمده بقوة على رأسها أخوه مشاري، حفظت الأمن في الرياض أشهرًا وأنهت المشكلات، وهنا يشكل الإمام محمد بن سعود نموذجًا نادرًا لزعيمٍ يفهم أن «تصدير الأمن» أداة نفوذ لا تقل عن السلاح. توفي المؤسس في سنة 1765، بعد 40 عامًا من القيادة والعمل على مشروع وحدة السعوديين في وطن، وتوفي بعد أن أصبحت الدولة نظامًا ونخبةً ومجتمعًا وأمنًا واقتصادًا وتعليمًا، أي أنها صارت كيانًا وطنيًا، وهذا هو الفرق بين أميرٍ يمر في التاريخ، وبين إمامٍ يصنع التاريخ. إن يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى؛ إنه تذكيرٌ بأن السعوديين حينما أرادوا الدولة، صنعوها من الداخل، بالوعي، وبالصبر، وبالعمل الطويل، وبقيمٍ أخلاقية كانت جزءًا من السياسة نفسها، وهذا هو المعنى الحقيقي لأن نكون أحفاد الإمام محمد بن سعود: أن نكون وارثين لمشروع دولة امتدت 299 ربيعًا، لا مجرد وارثين لتاريخ يمضي بمضي صاحبه.