صدر حديثًا كتاب «أيامي بين أحسن الناس وأشرف المهن»، لمؤلفه أحمد بن عبدالعزيز الربيعان، وهو كتاب يتحدث، كما يشي به العنوان، عن مهنة المؤلف، وعن أناس من الذين عرفهم خلال سني عمله. والكتاب خط خطًا جديدًا، لم أر له نظيرًا، فهو يتحدث عن عشرات الأشخاص الذين عرفهم المؤلف من رؤساء ومدرسين وموظفين وطلاب، في المعهد العلمي ببريدة، الذي وصفه بأنه مدينة صغيرة في قلب مدينة كبيرة. والجدة فيه أنه ليس كتاب تراجم، ولا هو كتاب سيرة، ولا هو حتى كتاب مذكرات، بل هو «حكاية» المؤلف، وحكايته في معهد بريدة العلمي تحديدًا، وحديث عن أشرف الناس، ويقصد بهم أولي الفضل والدين والأدب، الذين تقاطعت طرقهم معه في المعهد العلمي خلال 27 عامًا أمضاها في المعهد؛ وهو كتاب رشيق العبارة، يلامس القلب، أتى به مؤلفه على صيغة «صديق يحكي لك ما جرى معه، ويخبرك عمن عرف من الناس» كما عبَّر. والحقيقة أنني استمتعت بالكتاب، واستعذبت حكاية المؤلف، رغم كوني، لجهلي، لا أعرف المؤلف، ولا أعرف الأغلبية العظمى من الأسماء الواردة بالكتاب معرفة شخصية، إلا أن اللغة التي استخدمها في الحديث عنهم، وسخاؤه بالثناء الذي أزجاه لهم، جعلاني أتساءل بيني وبين نفسي: هل يجتمع هذا الكم الكبير من الفضلاء في مكان واحد ولا يكون بينهم سيئ ذكر ليتحدث عنه؟، وهو سؤال أدرك المؤلف أنه سيدور في ذهن قارئه، فقال بعد أن خرَّج الهدف من المديح: إنه «عرض لكثير من عيوب الأنفس دون أن يصرح بأسماء، إما لأنه على خلق حسن، وإما لأنه يخشى طائلة القضاء»! تمنيت، على كل حال، لو أن المؤلف قد راعى أن بعض القراء لا يعرفون أشرف الناس الذين ذكرهم، فترجم لهم بما يمكن أن يميزهم عن غيرهم، فكثير من الأسماء وردت ثنائية، وبعضها أضاف الكنى للأسماء، فعرَّفت بهم قليلًا، وإن لم تقدم ما يشفي العليل ولا ما يروي الغليل. مثل هذا الكتاب ممكن أن تبقى أهميته إلى يوم يبعثون، بل وستزداد بتوالي السنين، لو كان قد ترجم للرجال الذين ذكرهم بالحد الأدنى، كأن يذكر سنة ولادته وأسرته وتخصصه الدراسي ومؤلفاته وبعض محطات حياته، كم سيكون إضافة كبيرة للقراء لو أنه أضاف هذه المعلومات في هوامش سفلية في الصفحات التي ذكرت فيها أسماءهم. بعد قرن من اليوم، لن يكون المؤلف، ولا كاتب هذه السطور، ولا أحد ممن ذكرهم المؤلف في حكايته حيًا، لكن لنا عقب، وكم سيسر عقب الذين تحدث عنهم المؤلف بحديث عطر أن يعرفوا أن لهم صلة مباشرة بذلك المترجم له.. فهل يفعلها صاحب الحكاية في طبعة ثانية؟