في عالمٍ تتنازع فيه الخطابات وتختلط فيه القيم، ظلّ القرآن الكريم الحقيقة التي لا يبهتها الزمن ولا تنال من سطوتها العصور. هنا تحديداً تفرّدت المملكة العربية السعودية؛ لم ترفع المصحف شعاراً يُذكَر في المناسبات، بل جعلته ميثاقاً حيّاً يُترجَم إلى منظومات تعليمٍ راسخة، ومؤسسات دعوةٍ مؤثرة، ومشاريع تمتد خارج حدود الجغرافيا. من قلب الجزيرة، حيث هبطت الرسالة الأولى، امتدّ نورها حتى أصبح القرآن هويةً تُمارَس قبل أن يكون نصاً يُتلى؛ منه تُستمد الأخلاق، وعلى ضوئه تُدار السياسات، وبحكمته تُقام جسور السلام بين الشعوب. حين يفتح الإنسان المصحف، لا يقرأ ألفاظاً على ورق، بل يفتح نافذة على جوهر الوجود: على الروح التي تتهذّب، والنفس التي تتوازن، والإنسان الذي يُعاد تشكيله من الداخل. هذا الفهم هو الذي شكّل نهج المملكة العربية السعودية الحديثة؛ فتعاملت مع القرآن باعتباره أساس البناء الحضاري، لا مجرّد كتابٍ يُحتفى به أو يُعلّق على الجدران. منهاج الدولة، وضابط المجتمع، ومنظومة القيم.. جميعها استُمدت من هذا النور الذي لا ينطفئ. وفي هذا الأفق يظهر دور وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، لا بوصفه مسؤولاً يؤدي مهاماً إدارية، بل باعتباره مؤتمناً على رسالةٍ إنسانيةٍ واسعة. حمل القرآن في قلبه قبل أن يحمله في مشاريع وزارته، وارتقى بخدمته من المبادرات المحلية إلى فضاءات عالمية، حيث صار الاعتدال منهجاً، وليس مجرد توصية، وصارت خدمة كتاب الله عملاً مؤسسياً، لا نشاطاً موسمياً. لم تكن مسابقة القرآن الكريم في نيبال حدثاً عابراً، بل علامةً فارقة تختزل هذه الرؤية السعودية العميقة. فالمسابقة التي انطلقت عام 1445 ه لم تجمع الحفظة فقط، بل جمعت الهمة والهوية، وأتاحت للقلوب أن تتقارب على ضوء واحد. في عامها الأول بلغت المشاركات فيها قرابة 650 متسابقاً، ثم تجاوزت 800 في دورتها الثالثة، وكأنها رحلة صعودٍ جماعي نحو مركزٍ واحد: القرآن. أطفالٌ صغار يحفظون النور، شبابٌ يبنون مستقبلهم على قيمه، نساءٌ يجدن فيه القوة والمكانة، ومجتمعاتٌ بكاملها تستعيد به توازنها الأخلاقي والفكري. هذا النجاح لم يكن محض تفاعل جماهيري، بل انعكاساً لفلسفةٍ واضحة: أن القرآن لا يُتلقّى باعتباره نصاً جامداً، بل باعتباره حياة تُمارَس. فالاعتدال هنا ليس شعاراً سياسياً، بل منهج تربية، ومفهوم إنساني يترجم إلى أخلاق، ومواقف، وقدرة على إدارة الاختلاف دون أن تُمسّ الكرامة أو تهتز القيم. ولمّا كرّمت المفوضية الإسلامية في نيبال الوزير بدرعٍ من الدرجة الأولى لم تكن تحتفي بمنصب، بل كانت تُثمّن مشروعاً فكرياً وروحياً يصنع الفرق في أرضٍ بعيدة عن مواطن الرسالة الأولى. كان ذلك التكريم شهادةً على أثر المملكة في قلب الإنسان أينما كان، وعلى قدرة القرآن على عبور المسافات، من صحراء الجزيرة إلى قمم الهيمالايا، ليبلغ القلوب الباحثة عن معنى، والأرواح المتعطشة لسلامٍ بلا استغلال، ولإيمانٍ بلا تطرف. وهنا تتجلّى قيمة المشروع السعودي: وطنٌ لا يقدّم القرآن مطبوعاً فحسب، بل يقدّمه سلوكاً وقدوة ورؤية مستدامة. وزيرٌ لا يكتفي بإدارة ملف، بل يصوغ منه رسالة أجيال. مجتمعٌ لا يضع الاعتدال على اللافتات، بل يبني به حياته اليومية. هذه هي الخدمة الحقيقية لكتاب الله: أن تغيّر النفوس قبل السجلات، وأن تفتح للإنسان طريقاً جديداً، لا أن تُعدّل على صفحات الورق أرقاماً وإنجازات. إنها رسالةٌ لكل من يظن أن الأثر محدود أو أن الجهد يزول مع الزمن: من خدم القرآن في أرضه، خدم العالم بأسره. ومن رفع نور الله في القلوب، رفع البشرية كلها إلى أفقٍ أعلى، حيث لا تقاس الحضارة بما يُبنى من حجارة، بل بما يُبنى في الإنسان من سلامٍ وحكمةٍ وهدى.