عطفاً على ما ورد في المقالة السابقة، لنا أن نتساءل عن المتسبب في جعلنا عرضة للاستسلام السطحي للأحداث بدلاً من معرفة جذورها وخفاياها وتداعياتها، وعمن غيب وعينا بأهمية الوطن العربي في الخارطة الدولية بحكم موقعه الجيوسياسي وأرضه البكر وأهميته الاقتصادية والجغرافية والذي رشحه لأن يكون هدفاً وحيداً وسهلاً قابلاً للافتراس من قبل العمالقة الكبار. أول المتسببين في هذا التضليل النخب العربية ليبرالية كانت أو قومية أو يسارية وإسلامية (بقصد أو بدون قصد) بسبب إصابتهم بداء العمى الاستراتيجي. بعض هذه النخب أصبح هياكل عظمية قديمة من بقايا الأحزاب الميتة، وآخرون موظفون انتهازيون، أو متقاعدون من بعض الجيوش العربية المهزومة أصبحوا مع ظهور القنوات الفضائية العربية محللين استراتيجيين. أبطال «نهاية التاريخ» لهم دور في هذا التسطيح، ولا أقصد هنا المفكرين الغربيين من أمثال فوكوياما بل بعض العرب من الكتاب والمؤلفين والوعاظ الذين وظفوا الأساطير والرؤى وبعض أحاديث آخر الزمان لدعم رؤاهم للواقع السياسي العربي. والحصيلة النهائية لكل هؤلاء تقديم تحليلات وأخبار متناقضة بعيدة عن الواقع. السبب الرئيسي الثاني التضليل السياسي الاستراتيجي الذي يمارسه الكبار على حكومات وشعوب المنطقة لصرفهم عن معرفة مكامن قوتهم وضعفهم وسبل النهوض. ومن يتأمل الواقع العربي خلال الخمسين سنة الماضية يجد أن «سياسة المحاور» قد تم تطبيقها لتفتيت وإضعاف العالم العربي، فبدأت هذه السياسة بتكوين محور القوميين واليساريين مقابل الإسلاميين والوطنيين، ثم محور الموالاة والمقاومة التي انتهت بمجيء الربيع العربي الذي تسبب بدوره في بلورة محورين جديدين أحدهما مع الثورة والآخر ضدها.