لسنا الأكمل, ولسنا الأفضل بين الدول الأخرى، ولكننا بكل تأكيد لسنا الأسوأ. أعجب لأناس يتجاهلون الحقيقة , ويتفاخرون بجلد الذات بلا موضوعية ولا إنصاف. قرأتُ في إحدى صحفنا في يوم واحد مقالين كلّ منهما يحاول أن يقزم المملكة ويصورها بأنها لا تزال تحتل مركزاً متأخراً مقارنة بغيرها فيما يتعلق بالبنية التحتية، أو الالتزام بقواعد السلامة المرورية . جاءت المقارنة هذه المرة من قبل الكاتبين في سياق الحديث عن إمارة (دبي) وتصويرها بأنها (دانة الدنيا) والمثال الذي يجب أن تكون عليه بلادنا في كل شيء. نحن لا ننكر أن دبي تسير بخطوات كبيرة إلى الأمام, ولكن في الوقت نفسه لايمكن أن نتجاهل أننا في المملكة أيضاً نسير بخطى ثابتة إلى الأمام، وعندما نقارن ونطلق أحكاما عامة من هذا القبيل علينا أن نأخذ في الاعتبار معايير أخرى يجب مراعاتها لدى كل جانب ومنها المساحة، وعدد السكان والتركيبة الجغرافية، والظروف الاقتصادية والاجتماعية . يقول الكاتب الأول وهو يتحدث عن دبي " كنت أتمنى أن أشاهد حفرة واحدة، أو شارعا واحدا مكسرا، أو ماسورة مياه أو مجاري مكسورة، أو حادثا مروريا بسبب السرعة الجنونية، أو السقوط المتهور، أو قطع الإشارة المرورية فلم أجد ". حين يقول كاتب مثل هذا الكلام أعتقد بأن معرفته بدبي لم تتجاوز طريق الشيخ زايد والسير عبره في طريقه من وإلى المطار قاصدا مكان إقامته في أحد الفنادق المطلة على هذا الطريق، ولو سلك طرقا أخرى داخلية فسيجد الحفريات والمياه المتسربة. الكاتب الآخر حين تحدث عن الحوادث المرورية في المملكة قارنها بدول الجوار، ومن بينها دبي، وأسهب في ذكر الإحصائيات للحوادث والضحايا، وأشار إلى عدم التزام العمالة الأجنبية لدينا بالأنظمة المرورية، داعياً إلى الاستعانة بالأجهزة الحكومية والخاصة لإيجاد حلول للتعامل مع ما يحدث من فوضى مرورية. ولو كلف الكاتب نفسه واطلع على الإحصاءات الرسمية للحوادث في الإمارات، وخاصة في دبي، وهي إمارة من بين سبع إمارات، لعرف مثل غيره أن عدد الحوادث فيها عام 2010 بلغ 2686 حادثاً منها385 بسبب القيادة تحت تأثير المسكرات و321 بسبب عدم الالتزام بخط السير و488 حادثاً تعود إلى عدم ترك مسافة كافية بين المركبة والأخرى، وقد ذهب ضحية لهذه الحوادث ما يزيد على ألفي شخص بين متوفى وجريح. نحن لا ندعي الكمال لبلادنا فلدينا حوادث مرورية، وأعداد كبيرة من الوفيات والإصابات، ولكن لايمكن أن نتجاهل أن هناك حملات توعية مستمرة , وآليات للضبط مطبقة وآخرها نظام (ساهر) والذي، وإن أزعل البعض، فلا أشك أنه علّمنا إلى حد ما كيف نتحكم في سرعة مركباتنا, وإن لم يكن من باب الانضباط فهو من باب الخوف من دفع الغرامة، ولا ضير في ذلك . وجود الحفريات في الشوارع ضريبة طبيعية في مرحلة معينة لأية مشروعات أساسية تخدم البنية التحتية في كل مدينة. كيف تريد أن تجدد شبكات المياه والصرف الصحي، أو الهاتف، أو الكهرباء دون أن تحفر الشارع؟ وكيف تريد أن تغير مسارات عدد من الشوارع، وتلغي بعض الإشارات المرورية لتسهيل الحركة دون أن تزيل أرصفة قديمة وتضع أخرى؟! دعونا ندفع العجلة إلى الأمام، ولا نبالغ في نقد لا يقوم على مرتكزات ثابتة , ويقلل من حجم الإنجاز. لايمكن أن نقر الخطأ ونصفق له , ولكن في الوقت نفسه لا نريد أن ننبهر بما يفعله الآخرون على حساب هضم حق من يعمل لدينا بإخلاص وهم كثيرون ولله الحمد..