مذ سنيات، وأخوكم يُتابع ما يجري في الشأن المحلي، يولي اهتمامه للصراع بين أطياف المجتمع، ويتأمل - ما وسعه الجهد وواتته الفرصة - أسباب هذه المعارك التي تقوم رحاها حول قضايا المجتمع والناس، ويترامى أبناء المجتمع من ورائها بالألفاظ، ويتنابزون بالألقاب، وكنت مُتعففا أن أخوض في تحليل هذا التوتر خوفا مرة، وبحثا عن السلامة - التي يعشقها في مجتمعنا كل الناس - تارة أخرى، فلما جرت أقدار الحي الذي لا يموت في تنوع التيارات وتكاثرها، قوي القلب، واشتد غَرْبُ اللسان، ولو لم يكن في التنوع من خير سوى تشجيع الجبان مثلي على إبداء رأيه، وإسداء نصحه، لكان حقا علينا للتنوع أن نكتب فيه قصائد المدح والتقريظ، وأن نقيم له الولائم والحفلات، فقد فتح الله - تعالى - به لنا سبيلا، ما كنّا نأمل أن يُفتح. إنّ التنوع - وخصوصا في التيارات الدينية - مولود في بيئتنا حديث، من حقه علينا من استطاع منا، وغادرته الوحشة، أن يقف حارسا دونه، ويدفع عنه بقلمه ولسانه، فليس بنا طاقة للعودة من جديد إلى المخاض الذي كنا فيه، وما زالت ظلاله الصعبة تبعد عنا شيئا فشيئا، ذاك زمن ومرحلة، يجمل بنا طمسها، والسعي في مواراتها، وإنعاش مرحلة جديدة، يكون فيها خير عميم للإسلام والمسلمين. إنّ أعظم معلم في المرحلة التي بدأ جلدها يتسالخ هو كثرة الوعاظ، أولئك الأخوة الذين أسبغ عليهم التساهل في إطلاق الأوصاف ألقابا، ما كانوا يوما من الأيام يفون بدلالاتها، ويستحقون بجدارة معناها، فواحدهم يظهر اليوم خطيبا في جامع، ويلقي غدا كلمة إثر صلاة الناس، فيُلبس مع بشته لقب "الشيخ" أو"فضيلة الشيخ"، ويغدو بعد ذلك رمزا، يُستدعى للحديث عن نوازل المجتمع، فكأنه أضحى أبا حنيفة أو مالكا أو الشافعي أو أحمد، هكذا ينقاد المجتمع لجماعة من الأخوة، ساعدتهم الظروف ظروف التساهل التي يعيشها الناس اليوم تجاه القائمين للدين والعاملين له. دوما أتساءل كم عدد هؤلاء الوعاظ الذين حملوا تلك الألقاب في المجتمع؟ وكيف تقلّدوا تلك الأوسمة اللفظية؟ ألديهم شهادات من مؤسسات أو علماء مشهورين في عالمنا الإسلامي حتى يملكوا - دون العلماء المشهورين في البلد - قيادة الجماهير؟ أو هي المجاملة في دين الله - تعالى - وصلت بنا أن ابتُذلت ألقاب العلم الشرعي، وتقمصها من لم يدفع ضريبتها علما ومعرفة وآداباً، فجرت على لسانه ألفاظ تطعن في الآخرين، وتسمهم بما لا يُقال ولا يُقبل؟. إنّ دولتنا تحرص أشد الحرص على عدم الخداع والعبث بالألقاب والشهادات، فتُجري الجامعات اختبارات لإخواننا القادمين للتعليم فيها من بلاد الإسلام، وتقف أجهزة المرور في الدولة في وجه امرئ يبتغي قيادة سيارته، يختبرونه، وينظرون في قيادته، وتقف وزارة التربية والتعليم في دروب المعلمين، تختبرهم، وتتأكد من مؤهلاتهم، وكذا الحال مع الجامعات السعودية اليوم وكلياتها تُقام لها اختبارات ومراجعات حتى تحظى بتقويم دولي مشرف، يحدث كل هذا في بلدنا، ويُنسى العلم الشرعي، وهو دين الناس، فتبتذل ألقابه، ويغتصبها من لا يقوم بحقها، حين أرى هذا المشهد تصيبني الدهشة، ويعتريني الأرق، فأين العلماء الحريصون على دين الله - تعالى - من معالجة هذا الداء؟ حين أنظر في أديم مجتمعنا، وأرى الوعاظ أكثر الطوائف حراكا، وأعظمها جماهير، أستشعر الخطر، حين أرى العلماء يحضر دروس العلم عندهم عشرات، بينما يتقاطر الناس إلى الوعاظ وما يقولونه، أخاف مغبة الحال، وأظن سوء المآل، إن هذا المشهد يوحي بقوة أن هذه الجماهير ستتجه حين حدوث ما يزعجها إلى من أخلدت إليه، إنها ستتجه تلقائيا إلى الواعظ، هكذا تضحى طائفة الوعاظ - وهذا واقعنا اليوم - هي المحرك الفعلي لزمام المجتمع وجماهيره، فيكونون هم قادة المجتمع، وهكذا يصبح - في ظن أخيكم - قائد السفينة لا يلائمها، وذا شيء لمسنا آثاره هذه الأيام وقبلها، فهل يرضى أهل الحل والعقد بهذا، وقد تنامى إلى أسماعهم ما جرّه علينا وعلى مجتمعنا؟ إنّ هذه الجماهير التي أحاطت بهذا الواعظ الحامل للقلب، والحامل لبعض الشهادات العليا أحيانا، هي لوبيات ضغط على العقل الفردي والجماعي، تضطر كثيرا من الخاصة والعامة إلى مسايرتها، وعدم الصدع بالرأي في القضايا التي تخوض فيها، وإذا كنا نشتغل على جماعات الضغظ في أمريكا، فأولى بنا أن ندرس جماعاته في بيتئنا وبيننا، فذاك أعود علينا، وأنفع لعقولنا، وأنمى لثقافتنا، أيها الأخوة إن هذه الجماهير أبواق إعلامية، تسنتجد بالدين والرعاية له، فيكون عنفوانها أشد، وتأثيرها في الناس أحدّ؛ لكنها في نهاية المطاف جماهير صدرت من نبع واعظ، لم يكن حائزا على ما يأذن له بممارسة التوجيه الجماعي، لولا ما يعتري مجتمعنا من فوضى، مآلها - إن شاء الله - إلى الصلاح، أقصت عن الجماهير المستحق، وقرّبت من كان حقها أن تنأى عنه. إنّ لكل شيء اليوم مواصفات وشروطا، فلِمَ لا يضع علماء الإسلام - مستندين إلى تراث الأئمة الأولين - اليوم تحت مظلة مؤتمر العالم الإسلامي شروطا للاتصاف بألقاب العلم الشرعي حتى لا يضيع الدين وعلمه على أيدي إخوان لنا، خطبوا خطبة، وألفوا كتيبا في قضية، فدُعوا شيوخا، ولا يبعد أن يكونوا غدا شيوخ الإسلام وعلماءه! فالفوضى - إن استمرت - خلّاقة، تأتي بما لم يأت به الأوائل والآخرون. لقد دُرست طوائف من المجتمع، وجرت عليها دراسات؛ لكن طائفة المنتمين للعلم الشرعي - وهم أحق بالدراسة والتصنيف وأجدر - تُركت، فسبق إلى الأذهان أنهم طبقة واحدة، فحلّ الواعظ محل العالم، ولم يكن جديرا بمكانه، فالواعظ مهمته التنفيذ، وليس التخطيط، وحلوله محل العالم خلق لنا كثيرا من المواجهات والصراعات التي لم تكن لولا تسرعه وتقحمه، وما دامت جماعة الوعاظ حريصة على الدين، فلتقف حيث تستطيع أقدامها الحركة، ولا تتجشم خوض الرمال، فتسوخ أقدامها فيها، وليكن لها في قول ابن رشد في (بداية المجتهد) نظر واعتبار: "نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفّاف هو الذي عنده خفاف كثيرة، لا الذي يقدر على عملها، وهو بيّنٌ أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم، لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت". وفي الختام أرى أن تُجرى دراسة إحصائية لهؤلاء الوعاظ الذين تُسبق أسماؤهم بالشيخ وفضيلة الشيخ، خاصة أولئك الذين أضحت خطواتهم واسعة داخليا وخارجيا، ولينظر في أمر استحقاقهم هذه الأوصاف، فالمجاملة - إن قُبلت في كل شيء - لا تقبل في دين الله - تعالى - والعلم الشرعي. * كلية اللغة العربية - جامعة الإمام