العلاقة التي قامت بيني وبين عبدالعزيز حسن العمران وعمرها حوالى الخمسين عاماً لم تكن علاقة زمالة مهنية تؤطرها واجبات وقوانين الزمالة من مجاملات ، وحوارات هامشية نستهلك بها الزمن ، ولم تكن - أيضا - علاقة صداقة تقوننها ، وتحدد مساراتها واجبات الصديق نحو صديقه في التلاحم تجاه ظروف الحياة ، ومشكلات الزمن ، بل تخطت العلاقة كل هذه الخطوط والحدود والقوانين إلى تألقها داخل دائرة الأخوّة بكل ماتفرضه واجباتها من تلاحم وتداخل علاقة حياتية أسرية ، ومشاركة في كل شؤون الحياة بحلوها ومرّها ، أفراحها وتعاساتها ، نجاحاتها وخيباتها ، انتصاراتها وهزائمها ، فتحول كل واحد منا إلى حالة اندماج ذات في الأخرى ، نتقاسم المأساة بأثقالها ، وندفع الصخرة إلى الأعلى أو منتصف الطريق لترتد الينا مدمرة محبطة لكل الأماني ، والتطلعات ، والأحلام ، وننسج بعد ذلك ضوءاً من أمل في التفاؤل بأن الحياة جميلة تستحق أن تعاش ، وأن بعض العلاقات فيها تظل دافئة وحميمة ونقية لايمكن أن تلوثها سلوكيات الجشع ، وممارسات الطعن من الخلف بأسلحة قذرة من الحقد والتشوّه والانتهازية . وكان عبدالعزيز يردد في كل لحظة يأس وقلق ووجع حقيقي .. " وخادع النفس يمتد الرجاء لها إن الرجاء بصدق النفس ينقطعُ " وكنت أوافقه مثخناً بالجراح . كان عبدالعزيز واضحاً وصريحاً مع نفسه ومع الآخرين ، متصالحاً مع الذات ومع الناس ، ومع أصحاب المسؤولية والقرار ،جريئاً بنقاء وطهر ، معجوناً بتراب هذه الأرض ، عاشقاً متيماً للكيان ، والفضاء التاريخي ، والإرث النضالي ، وكان لايساوم على قناعاته ، ولايمارس التقية في آرائه ، وأفكاره ، بل يفضح مايعتقد أنه خللٌ بشجاعة تنطلق من حسن النية ، والولاء ، والوفاء ، والإخلاص للتراب ، والإنسان ، والكيان ، والقيادة . وأحسب أن قلة تفهم عبدالعزيز جيداً في هذا المنحى ، وقلة تعرف أنه يملك قلباً طاهراً ونقياً كحليب الأطفال ، مخلصاً دون حسابات ذاتية كما إخلاص الفرسان لمعتقدهم الحياتي . عاش عبدالعزيز حسن العمران حياته والمال عنده وسيلة عيش ، يوفر عبره الفرح ، والحب ، والدهشة ، وبه يكون قادراً فقط على امتلاك السعادة ، والتواصل مع الآخرين ، وتكوين ثقافته الواسعة إما من خلال القراءة ، وتوفير الكتاب ، وإما عن طريق السفر الذي أدمنه وفتح لعقله ووعيه وفكره آفاقاً من المعرفة ، والاطلاع على ثقافات الشعوب ، ومضامين تطور مجتمعاتها ، وتحديث أنماط حياتها . وكثيراً ما ردد برقةٍ قول إيليا أبي ماضي . " وتمتع بالصبح ما أنت فيه لاتقل زال حتى يزولا " الله .. الله .. يارفيق العمر. كان بإمكان عبدالعزيز أن يكون من أصحاب القصورالباذخة المترفة ، والثروات الهائلة التي تمكّنه من صناعة الوهج الاجتماعي ، والتميز الحياتي ، وكان بإمكان قدراته ، ومواهبه ، وكفاءته الذاتية أن تؤهله لمكانة وظيفية مرموقة ، غير أنه فضّل عن قناعة ممارسة حياته بعيداً عن سطوة المال ، وزيف ادعاء الوجاهة ، لأنه.. " لم يحنِ جبهته لغير الله ، إذ حنيت لأغراض الحياة جباهُ " وهذا كان محور حديثنا عندما هاتفني صديق الجميع الأستاذ تركي السديري صباح يوم الجمعة وهو يصعّد النشيج ، ويعزي نفسه قبل أن نتشارك العزاء في عبدالعزيز . رحم الله عبدالعزيز حسن العمران الصديق ، والأخ ، ورفيق العمر .. والأمل في عبدالمحسن وحسن ومشعل ومنصور ومحمد مشاعل وفاء ، وفرسان شهامة ونبل..