يسرقنا الزمن، وأكثر وأقسى شراساته أن يسرق منا صداقات، وعلاقات، وذكريات هي زادنا وقوتنا في الحياة، وهي أروع، وأنبل ما أضفناه إلى رصيدنا التعاملي، والمهني، والفكري، والحياتي. يسرقنا الزمن بشكل خبيث وماكر وحاد في وجعه ومكره. ويسرق منا أحبة هم في القلب، والروح، والوجدان حالة نعيشها يومياً ، وزاد يعيننا على المواجهة، واحتمال الشراسة، والقسوة ، بما يتوفر لديهم من مخزون هائل ومبهج في صناعة الحب، وإنتاج التآخي، والتقارب. وممارسة الفرح، والابتسام، رافضين أشكال التلوث، والحقد، والركض المسعور عبر طرق، ووسائل الخصومات، والكيديات، وإسالة دم الآخرين بالسلوك، والممارسة، والقول. رديء أنت أيها الزمن، ورديئة كل تلك الممارسات في تحديد العلائق، ونمط الزمالات، والصداقات التي تحدد أطر النجاحات بالسلوك الميكافيلي، والانتهازية، والوصولية، والصعود على جثث الآخرين عبر محاولات إلغائهم ليس بالقدرات، والإمكانات، والثقافة، والمهنية، وشمولية الوعي، وممارسة التنوير ولكن بالأساليب الرخيصة، الرخيصة جداً، والهابطة من مصادرة لتميزهم. إلى إدخالهم في دوامة التفكير الدائم والمستمر في وسائل تدفع عنهم الشرور، والأحقاد، وأمراض الآخرين. والزمن بشراسته، سرق منا "أبا تالا". زميل، وصديق، وحبيب، ومتفوق في كل مسارات حياته، وأنماط علائقه. رجل نادر في هذا الزمن الرديء، المزدحم بكل ألوان البشاعة. يحمل قلباً نقياً كحليب الأطفال. أبيضَ كالثلج في قمم الجبال. ويختزن روحاً متصالحة مع الناس، والحياة، والظروف، يعالج كل المآسي، والتشوهات، وحالات البشاعة بالابتسامة، والفرح، والنكتة، ويأخذ العمل واجباً مهنياً ووطنياً مقدساً يشتغل في إتقانه، وإبداعه، وتكامله ليتجاوز عبره كل المعوقات، والداءات، والأوجاع، والهزائم. طلعت فريد وفا. اسم سيظل محفوراً في ذاكرة الكثيرين من خلال نكران الذات، والابتعاد عن كل ما يسيء للمهنة، ويقلل من قيمة ممتهنها، فلم يأخذها وجاهة اجتماعية، ولا تحقيق مكاسب شخصية إن على المستوى الحياتي، أو على مستوى العمل داخل المطبوعة. ولا من أجل امتيازات تقود إلى الترف، والمواقع المزيفة، والادعاءات عبر الضوضاء، والصخب، والدف، والزمر، والطبل. أبا تالا.. يا رفيق العمر، وحلاوة العمر. ونقاء العمر. سنذكر النقاء حين نذكرك، وسنذكرك دوماً. وسنذكر الطيبة، والوداعة، والحب، والابتسام، والفرح طالما أنت مختزن، ومخزون في الذاكرة. وستبقى في الذاكرة حتى نلقاك. طب نفساً - أيها الصديق - فقد ذهبت دون أن تجرح أحداً ولو بوردة وهذا رصيد أخلاقي نادر في هذا الزمن. وداعاً. أبا تالا..