استكمالاً لما سبق الحديث عنه عن مفهوم الجامعة الأمريكية ومروره بسلسلة من التطورات الفكرية، يواصل جوناثان كول مؤلف كتاب "الجامعة الأمريكية العظيمة" الإشارة إلى دور بعض المؤسّسيين الأوائل الذين أكدوا على الجامعات بأن تتبنّى البحث العلمي الذي يهدف إلى حل المشكلات الجوهرية في الطبيعة والعلوم دون الاهتمام بالنتائج المباشرة والعملية التي تلبي حاجات الصناعة والحياة العامة. ويشير إلى أن الأجيال اللاحقة أدخلت على مفهوم الجامعة فكرة التركيز على إنتاج المعرفة التطبيقية. وهذا ما أوجد مجموعة أخرى ترى صعوبة الفصل الحاد بين المعرفة الجوهرية والتطبيقية، لأن كل شكل من هذين الشكلين يدعم الآخر، ووجدوا أنه يجب على الجامعة أن تدعم هذين النوعين من المعرفة. ويشير إلى أن على أولئك الذين يريدون إنشاء جامعة ذات خدمات كاملة، سوف تُواجههم مشكلة جديدة وهي أن هذه الجامعة ستضم حشدًا من الكليات الجامعية والمهنية التي تدرّس الطالب في أي مجال يريد، في مقابل الموازنة مع التركيز على التعليم والبحث الذي سيحسّن من التفكير النقدي كما نجده في دراسة الفنون الحرة. وقد ظهر نقاد من داخل المؤسسة الأكاديمية وخارجها تقريبًا في كلّ مرحلة من مراحل تطوّر مفهوم جامعة البحث العلمي؛ كان بعضهم رؤساء للجامعات أو قادة في التعليم مثل العمداء، أو باحثين علماء، أو باحثين اجتماعيين، ينظرون إلى الجامعات على أنها مؤسسات مفرطة في النظام، تدافع عن منهج غير محدد، ولا تلبي حاجات اجتماعية كثيرة. ومن هنا، نتج ما حصلنا عليه اليوم، وهو حصيلة من الأفكار والمفاهيم المتعددة. كما تؤثر قوى خارجية في تطوّر الجامعة، مثل الازدياد السكاني، وأنواع مختلفة من الهجرات الداخلية والنزوحات، وحاجات الحرب وكيفية استجابتنا لها، وضغوط التحصيل التعليمي والتعبئة الاجتماعية ضمن مجموعات أقلية من السكان، والدور النامي للعلم في المجتمع، والأهمية المتزايدة للمهن والتدريس، والضغوط المتنوعة من حكومات الولايات والحكومات الفيدرالية. لذا، لا يمكن أن يتحكّم شخص واحد ولا حتى مجموعة من الأشخاص بمصير مفهوم الجامعة، مما يؤدي إلى نشوء نظام لإنتاج المعرفة والتعليم العالي، لم يشهد له العالم مثيلاً على الرغم من مساوئه كلها. (والحديث هنا لن يتوقف).