استكمالا لما سبق الحديث عنه في هذه الزاوية عن كتاب "الجامعة الأمريكية العظيمة" لمؤلفه: جوناثان كول، نحاول اليوم الوقوف على ما ذكره المؤلف عن عمله، مع استعراض لأبرز محتويات الكتاب. يذكر المؤلف في مقدمته جوانب من خبرته المتصلة بالجامعة، يقول: «وبصفتي عميدًا تعرفت على الرؤساء والعمداء في معظم جامعات البحث المهمة في أمريكا، وعرفت كيف ينفق هؤلاء الرجال والنساء وقتهم. ولا يمكنني إلا أن أشير بتقدير إلى التزامهم الكبير بعملهم؛ حيث يشكّل التزامهم بالتفوّق في عملهم، في حرم الجامعات، من الشاطئ إلى الشاطئ، في الشمال وفي الجنوب، السبب وراء ازدهار الجامعات، ولاسيما في السنوات الخمسين أو الستين الماضية حين بدأ دور جامعة البحث العلمي يتأسس بصورة قوية». ويمضي في عرضه للواقع الراهن للتعليم الجامعي، مبينًا دور قادة العمل الإداري في الجامعة، فيذكر أن: «الرؤساء والعمداء يعدّون من أكثر من يعملون بجد في الجامعة، حيث يعملون حوالي سبع عشرة ساعة في اليوم، وستة أيام في الأسبوع، من أجل تحسين دور كلياتهم ومكانتها النسبية. ويسعون إلى زيادة المصادر المتوفرة لهم، وتكوين علاقات بين مؤسساتهم ومجمعاتهم المحلية، وإيجاد طرق أخرى لتحسين التواصل والمساعدة المادية. وأحيانًا يتمكنون من إقناع أعضاء الكونغرس في تبنّي تشريعات مفيدة للجامعات ورفض أخرى ضارّة بها». ومن خلال استعراضه لعدد من البحوث والمحاضرات التي حضرها والتي تحدث فيها علماء رائدون ومهندسون ودارسون في العلوم الإنسانية وعلماء في المجالات الاجتماعية والتطبيقية عن بحوثهم واكتشافاتهم؛ يجد أن دافع بعضهم للبحث هو الفضول، في حين رغب آخرون في حل مشكلات عملية قائمة. وهنا يصل إلى فكرة هدف الجامعة وعلاقتها بالمجتمع، فيقول: «في الحقيقة، لقد افترض عدد من الجمهور أن الالتزام بالبحث على مستوى العالم والتدريس في جامعة عظيمة يعكس أهدافًا متضاربة. وأدركتُ في تلك اللحظة أن معظم الناس لا يُقدّرون السبب وراء تشكيل جامعات البحث العلمي العالمية، وثمة فهم ضئيل، حتى بين المثقفين من السكان، لموضوع تلاحم نقل المعرفة وإبداعها وعدم إمكانية الفصل بينهما». ويضيف: «كما لا يوجد أيضًا استيعاب واضح لعمل هذه الجامعات في تكوين المجتمع الأمريكي بعيدًا عن تأثيرها في التحول الاجتماعي. ثم اتضح في حوارات لاحقة مع عدد من الزملاء العمداء والرؤساء أن أملنا قد خاب جميعًا بسبب الصورة غير المكتملة التي رسمها العامة لجامعاتنا المتميزة». ويؤكد على أن أبرز سمات نظام التعليم العالي هو أن يتبنّى الإبداع والاكتشاف، وهو الأمر الذي يسمح للمعرفة بالانتقال والتطور عبر الصناعات الجديدة التي تؤدي إلى تميّز الجامعات وتجعلها مغرية للطلاب. يقول: «لقد جذبت هذه السمات الشباب الموهوبين من أنحاء العالم ليبحثوا عن فرص في الجامعات الأمريكية ويكونوا طلابًا وباحثين وعلماء فيها، ثم تبقى نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين المثقفين هنا». ويخلص إلى أن الذي جعل الجامعات الأمريكية عظيمة ليس جودة التعليم الجامعي، نظرًا لوجود نظم أخرى للتعليم العالي تُنافس الجامعات الأمريكية في نقل المعرفة إلى الطلاب. ويرى أنه في أفضل الأحوال، تعدّ الدراسة الجامعية في الولاياتالمتحدة جيدة بصورة استثنائية، وفي أسوأ أحوالها، ربما تعدّ فقيرة. ولهذا، فليس لجودة التعليم دور مميز للجامعات الأمريكية. كما يؤكد بأن "تدريب الطلاب الجامعيين المحترفين" ليس هو ما يجعل الجامعات الأمريكية هي الأفضل في العالم، على الرغم من أنها تقوم بذلك بصورة جيدة عند المقارنة مع البلاد الأخرى. ويزيد على ذلك بأن "نقل المعرفة" رغم أنه يمثل المهمة الأساسية للجامعات الأمريكية، إلا أنه ليس هو ما يجعل مؤسسات التعليم العالي الأمريكية هي الأفضل في العالم. وينتهي إلى القول: «نحن الأفضل، لأن جامعاتنا تستطيع أن تُنتج نسبة عالية من المعرفة الجوهرية المهمّة وتُقدّم الاكتشافات العملية في العالم؛ حيث إن نوعية البحث المنتج، والنظام الذي يستثمر الشباب ويدرّبهم ليكونوا علماء وباحثين قادة هو ما يميز جامعاتنا ويجعلها موضع حسد العالم. وهو ما ينطبق على نطاق واسع من العلوم يشمل فروع الهندسة والعلوم التطبيقية والاجتماعية والإنسانية». ويضيف: «وفي الحقيقة تُكوّن الجامعات المتميزة حقًا كلها شبكة متتابعة من التأثير المعرفي بين فروع منفردة يؤدّي كلّ منها دورًا في تحديد جودة الكل. هذا سبب أساسي، أعتقد أنه يكمن وراء عدم القدرة على بناء جامعات متميزة من دون تمثيل كلٍّ من العلوم الإنسانية والعلوم الأخرى». وإذا كانت الاكتشافات وإنتاج المعرفة الجديدة شروطًا لا غنى عنها للتفوق، حسب ما يقدّمه المؤلف، فهذا يدعونا للتساؤل حول سبب تفوّق جامعات البحث الأمريكية. إن الكتاب المذكور ينهض بمهمّة الإجابة عن هذا السؤال من خلال ثلاثة محاور: فيعرض الأول قصّة تحوّل الجامعات الأمريكية من كليات نائمة إلى محركّات تغيير مركّبة وقوية. وفيه يناقش المؤلف أصول فكرة الجامعات ويُحلّل التأثيرات على تحوّلها من نظام محترم من البحث العالي إلى النظام الأفضل في العالم. كما يبيّن كيف تشكّلت القيم والبُنيات الضرورية لهذا الانتقال. ويتناول المحور الثاني عددًا من الاكتشافات التي قدّمتها جامعات البحث الأمريكية والتي ساهمت في تغيير نمط حياتنا الحديثة، وهي مستمرة في دعم مستوى الحياة ونوعيتها، كما يبحث في الاكتشافات التي طُبقت بصورة خاطئة في الماضي وتأثيرها في بناء تراكم معرفي وتعلّم رصين. أما المحور الثالث فيتناول المخاطر التي تُواجه الجامعات اليوم. والكتاب بمجمله يحكي قصة صعود الجامعة الأمريكية إلى موضع التفوق، وتحولها إلى جامعة عظيمة. وهو كتاب جدير بالترجمة والعناية من قادة التعليم العالي ومسؤوليه في بلادنا للاستفادة من تجربة ثريّة وخبرة إدارية وتعليمية لا تقدّر بثمن.