عرضت في هذه الزاوية لكتاب "الجامعة الأمريكية العظيمة"، لمؤلفه: جوناثان كول، على جزأين. وكانت الخطة أن أكتفي بذلك بعد أن قدّمت ما يمكن للمهتم أن يبحث عنه. ولكن عددًا من القراء الكرام ومجموعة من الزملاء الأعزاء في الجامعة طلبوا مني عرضًا لبعض فصول الكتاب وترجمة أجزاء منه، ويسعدني أن ألبي هذه الرغبة، وسأحاول كلما سنحت لي الفرصة تقديم مقاطع من الكتاب، على أن الترجمة تتطلب أخذ إذن المؤلف وهو ما أسعى إلى الحصول عليه. والجزء الذي سنركز عليه اليوم، هو ما يخص مفهوم الجامعة، وقد بدأه باقتباسين، أوردهما كما هما على النحو التالي: «الجامعة لا توجد خارج النسيج الاجتماعي لحقبة ما، بل هي في داخله، مثلها مثل المؤسسات الإنسانية الأخرى كالكنيسة أو الحكومات أو المنظمات الخيرية. وما الجامعة إلا تعبير عن العصر وعامل مؤثر في الحاضر والمستقبل». أبراهام فليكسنر (Abraham Flexner) «ليست الجامعة الأمريكية الحديثة هي جامعة أكسفورد ولا جامعة برلين، بل هي نوع جديد من المؤسسات في العالم. وبصفتها مؤسسة جديدة، لا خاصة تمامًا ولا عامة حقًا، فإنها لا تتبع العالم ولا تنفصل عنه، تعتبر مؤسسة فريدة، تعني الكثير بالنسبة إلى أفراد كثيرين. لذا، لابد أن تكون بالضرورة على صراع مع نفسها نوعًا ما». كلارك كير (Clark Kerr) بعد ذلك، بدأ موضوعه من خلال تساؤلات على النحو التالي: «فكّر ببناء مؤسسة للتعليم العالي من نقطة الصفر، ما الذي ستفعله؟ كيف ستنظّم الجامعة؟ ما القيم الأساسية التي ستعتمدها؟ لابد أن تضع معايير لقبول الطلاب، ولابد أن تعرف كيف ستقيّم تقدّم الطلاب في دراستهم، وعليك أن تختار الكليات، وتحدّد طريقة لقياس نوعية العمل، وتعبئ المصادر المادية الضرورية لتصميم الحرم الجامعي وإنشائه». ثم يستطرد في الحديث عن المنهج متسائلا: «ما محتوى المنهج الذي ستهتم به؟ من سيقرّر ذلك؟ كم من الاهتمام ستُوليه للدراسة الجامعية والدراسات العليا والتعليم المهني؟ وأي نوع من التوازن ستُحافظ عليه بين التعليم والبحث؟». ويوضح أنه لن يكون من السهل أن يُحقّق المرء كلّ ذلك بمفرده. لذا، فإن عليه أن يعتمد من البداية على الآخرين ليكونوا قادة للجامعة من خلال قدراتهم المختلفة. لكن لابد من معيار يحدد اختيار هؤلاء القادة، وهو معيار يراعي الحاجة إلى أناس يتعاملون بصورة جيّدة مع الطلاب والجامعة، ومع الطلاب من بلدان مختلفة ومع الإداريين، ومع العامة. ويتحدث عن الجامعات الأمريكية، مبينًا أن لدى الأمريكيين مباني مدارس للتعليم العالي منذ فترة الاستعمار، وقد استمدّت نمطها من مؤسسات التعليم العالي الأوربي، لكن الأمريكيين جعلوها تعكس تجاربهم وقيمهم وأفكارهم، لتلبّي ما يحتاج إليه الوطن الجديد. ويستدرك قائلا بأن «نظام التعليم العالي الموجود في الولاياتالمتحدة اليوم لايشبه الكليات في الفترة الاستعمارية التي أسسها آباؤنا، مثل "بنيامين فرانكلين" (Benjamin Franklin) و"توماس جيفرسون" (Thomas Jefferson)، ولا يشبه الكليات التي أُسست قبل الحرب الأهلية». ثم يُبرز تطوّر مفهوم الجامعة وواقعها، شارحًا كيف أنها تأقلمت مع الحاجات المتغيّرة وتكيفت مع الظروف المتجدّدة. ومع ذلك، فإنه يؤكد أن مفهوم الجامعة اليوم ليس جديدًا جذريًا، رغم ابتعاده عن مفهوم الكليات التي أُنشئت في زمن سابق. بعد ذلك يستعرض تاريخ اتصال الجامعات الأمريكية بجامعات إنجلترا وفرنسا وألمانيا، ملاحظًا تغير مفهوم الجامعة عبر الزمن. وهو مفهوم يعكس القيم والنزعات المتغيّرة في المجتمع الأمريكي، بما فيه من مواقف نحو العلم والهندسة والصناعة والإصلاح الاجتماعي والحراك الاجتماعي والفرص والاهتمام بالصحة والأمن الوطني. ويعكس أيضًا الإيمان الأمريكي بالدور المهم الذي تلعبه المعرفة الجديدة في إنشاء التطوّر الاجتماعي والاقتصادي. ويؤكد أن الأمور لم تكن ميسرة ابتداء من المفهوم الأول للجامعة إلى شكلها الراهن، فقد كان لدى معمارييها ومهندسيها مفاهيم متضاربة حول ماهية الجامعة الكاملة. فقد كان هناك توق من البعض إلى «جعل الجامعة مؤسسة معزولة كنسيّة خلف جدران من العاج، بعيدة عن شؤون المجتمع الأكبر». في حين يرى آخرون أنّ مهمة الجامعة خدمة الحاجات العملية للجماعة المتنامية سريعًا. ويريد البعض أن يفصل بين التعليم والبحث، في حين يسعى آخرون إلى سيطرة البحث على نشاطات الجامعة الأخرى. على أن أولئك الذين يفضّلون النموذج الكنسي يريدون من التعليم الجامعي أن «يركّز على بناء مجموعات أو وحدات تحكمها قواعد وقيم مشابهة لقيم العائلات والنظم الرهبانية». في حين نجد في المؤسسات البيروقراطية الكبيرة أولئك الذين يؤمنون بتعقّد مفهوم الجامعات وحاجته إلى قوانين وبنيات للسيطرة عليه. (وللحديث بقية)