رغم مرور سنوات ليست بالقليلة، لم أفكر في أي يوم أن أتناول موقف جريدة «الرياض» الانفرادي في تجسيد واقع الزمالة الأخوية مع الصحافة الكويتية، عندما أراد العدوان العراقي بقيادة صدام حسين أن يجتث التكوين الديموقراطي والثقافي والإعلامي لمجتمع الكويت بنفس الرعونة التي أراد بها أن يحوّل الكويت إلى قرية عراقية مسلوبة القدرات.. الحقيقة، العالم كله قال: لا.. والعالم من الأرض السعودية أرغم الغازي الأحمق على تذوّق الهزيمة القاسية بنفس مرارة قسوة الغزو الغاشم.. لقد وجد الكويتيون بيوتهم قبل خزائن دولتهم في حالات نهب غير أخلاقي، وقد اندفع معظم الكويتيين إلى المملكة مثلما اندفع بعض آخر إلى مصر.. لقد فتحت جريدة «الرياض» ميدان التوظيف لمعظم الصحفيين الكويتيين النازحين إلى الرياض بعدد ليس بالقليل، ولم تكن الإمكانيات الاقتصادية وقتها مثيلة لقدرات الحاضر، بل إن عدد المتفرغين من السعوديين يقل عن نصف العدد الموجود حالياً.. لم أكتب حرفاً واحداً حول ذلك، لكن عندما كنت أجري عمليات جراحية قبل خمسة أشهر تقريباً في المستشفى التخصصي شعرت عملياً أن هدية الكويتيين المتعاطفة كانت حجماً هائلاً من دعم التفاؤل الصحي الذي غمرني على سرير المرض.. ظهر يوم الجمعة الماضي اتصلت بي قناة الشاهد الكويتية للمشاركة في احتفالية تحرير الكويت من العدوان، شعرت عملياً بتوافر التعليقات الكويتية بوجود احتفالية منهم بزميل في الرياض، وأخص سعادة الأستاذ عبدالرحمن المسفر العجمي بما أفاض به من ثناء وتقدير لموقف «الرياض».. إذ إنني أستعيد الموقف لا لأذكّر بتداخل الزمالة الكويتية مع جريدة «الرياض» في ذلك الزمن الموجع، ولكن لأشكر الزملاء هناك على ما قالوه من تقدير يحسب لهم بالإكبار والتقدير.. وزمننا في منطقة الخليج يخرجنا من مرحلة أخطار تبنّاها صدام حسين وغاب غير مؤسوف عليه بسببها إلى مرحلة معاصرة تحاول بها إيران أن تقيم تحالفات تهدّد الأمن الخليجي وثرواته، فلا نفهم لماذا تريد دولة مليئة بقسوة الجوع أن تتحوّل إلى دولة نووية؟، ولا نفهم لماذا تتصوّر طهران أن حلم عودة دولة فارس مشروع وطني سيتم بدلاً من أن تتعاضد مع المجموع الخليجي في إقامة قوة إسلامية متكاتفة؟.. لكن سيبقى المجموع الخليجي على مستوى من المناعة متى ضاعف من تكثيف وسائط اتحاد قواه الأمنية والاقتصادية، وسيكون هو الواقع العربي بل والإسلامي الأمثل إذا استعصى على كل أفكار التخلّف التي أضاعت ضعف المساحة الفلسطينية المحتلة في حرب 1967 وهي «النكسة» بتعريف أشهر كاذب عربي محمد حسنين هيكل، أو حين أراد صدام، بتزعمه لثورية الأفراد وثورية العدوان، أن يجعل من أحلامه تدمير أمن الخليج واستقلاليات اقتصاده وثقافته ووعيه فتجرّع «نكسة» أخرى.. إن الطيش سواء تمثل بالاستهانة بعدو أو تمثل بالعدوان ضد جار أو أخ ليس إلا مسار تخلف أعاق عالمنا العربي في معظمه وبقي الخليج العربي واقع مناعة راقية..