1350 ه.. حيث الرياض.. لا شيء يشي بازدهارها ومستقبلها.. بيوت طينية ومزارع تتناثر بلا خطام يجمعها.. ( أبو ... ) يمثّل الطبقة المرّفهة في عرف تلك الفترة .. له بيتان من الطين .. ومزارع ودكاكين متناثرة هنا وهناك .. وأراض قاحلة جرداء .. لم ينبئه الدهر يوماً .. أنها ستكون قلب العاصمة النابض ..! حينما أحس ( أبو ... ) بدنو الأجل .. يكاد يخترمه في مرض موته .. فكأنما كشف له غيب خلافات أولاده من بعده .. ولذا سارع إلى استشارة مطوّع المسجد - أعلى مرجعية دينية يستطيع الناس الوصول إليها ذلك الحين - عن أفضل الطرق الشرعية .. والتي تجمع بين المرونة .. والمرجعية الدقيقة في جمع كلمة أولاده .. من بعده .. ( الوقف الذري ) .. رغم غرابة الكلمة .. إلا أن ( أبو ... ) سرعان ما اتبع النصيحة بالكتابة والإشهاد.. لتبدأ بعدها سلسلة من مناوشات الأبناء والبنات. كانت المشكلة - في ذهن الورثة - في كون الواقف اشترط تساوي الأبناء والبنات في الاستحقاق من غلة الوقف .. فإن اغتنت إحدى البنات أو توفيت فلا شيء لها ولذريتها .. إذ الشرط لاحقاً لأولاد الأبناء دون غيرهم من أولاد البنات .. وحق لهم أن يختلفوا في تركة تقدّر بأكثر من 200 مليون ريال ..! يمثّل الوقف الذري حيث شرط الواقف فيه الريع للذرية ونحوها من أقاربه حماية اجتماعية حقيقية للذرية إن كان نابعاً عن نيات حسنة ومقاصد نبيلة - كما يقول الفقيه المالكي بن حمزة - حيث العقارات ترصد للمطلقات من البنات .. ولمن افتقر من الأبناء .. أو لمن طلب العلم منهم .. أو لمن تزوج وعجز عن الإنفاق على عياله .. ويدل على ما فيه من خير وبركة ما قام به الزبير بن العوام وغيره من الصحابة حين حبسوا أموالهم العظيمة على أولادهم .. لكن الوقف الذري مع ذلك كغيره من التصرفات الشرعية .. التي جارت عليها العوائد والتقاليد الصماء .. فأصابه من اختلالات التطبيق ما جعله يفرز مشاكل أسرية هوّنت على بعض الناس الدعوة إلى إلغائه .. ولقد كانت هذه الدعوة بمثابة الاستدراك والتعقيب على تصرف أذن الشرع به لاشتماله قطعاً على إيجابيات اجتماعية .. جرياً على سنة التشريع في إقرار ما فيه مصلحة ومنع ما فيه مفسدة .. حيث المشرع أعلم بمصلحة العباد. ولقد سن الفقهاء رحمهم الله تعالى صوراً عديدة للوقف الذري عديدة منها: 1. أن يكون مشروطاً على الواقف نفسه طيلة حياته ومن ثم على أولاده أو على ذريته ونسله أو على كل من ينتمي لأسرته . 2. أو أن يكون على أولاده وذريته وكل من ينتمي لأسرته دون نفسه . 3. أو أن يكون مشروطا على كل من ينتمي لأسرته فقط . 4. أو يشترط عودة الوقف إذا انقطعت ذريته إلى جهة خاصة معينة أو فقراء مدينة ما كمكة المكرمة مثلاً .وحيث إن الفقهاء متشوفون لحفظ الحقوق وإيجاد المرجعية الشرعية والقانونية أيضاً فلقد أحاطوا الوقف بتفاصيل وشروط دقيقة ورد بعضها موضّحاً باستفاضة في قوانين الأحوال الشخصية في العديد من الدول العربية : 1. ألا يخل الشرط بأصل الوقف أو يضر بمصلحة الوقف أو الموقوف عليه . 2. ألا يكون فيه مخالفة للشرع وعندها يكون صحيحاً لازماً واجب التنفيذ . 3. شرط الواقف المعتبر كنص الشارع في الفهم والدلالة ووجوب العمل به . 4. كل شرط يخل بأصل الوقف أو ينافي حكمه فاسد ويفسد الوقف كله به. 5. كل شرط يعطل مصلحة الوقف أو يضر بمصلحة الموقوف عليه أو يخالف الشرع يعد باطلاً والوقف صحيح. ولأن المشكلة في ذهن الورثة .. ليس إلا .. حيث لا إشكال في الشرع وهو ما عليه جماهير أهل العلم من عدم دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية .. فإن الدعاوى لا تزال قائمة .. سجالاً في أروقة القضاء .. تأكل من مالهم .. وصحتهم الشيء الكثير .. رغم وضوح المسألة .. لمن وعى .. أو على الأقل .. حاول الوعي ..!! *الباحث في أنظمة العقار