القيادة تعزي رئيس بنغلاديش في وفاة رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    بذل أكثر من نصف مليون ساعة عمل تطوّعي في المسجد النبوي خلال العام 2025م    سباق بين إنتر ويوفنتوس لضم كانسيلو    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    الأفواج الأمنية تُحبط تهريب ( 37,200) قرص خاضع لتتظيم التداول الطبي بجازان    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    القيادة تهنئ الرئيس غي بارميلان بمناسبة انتخابه رئيسًا للاتحاد السويسري    سبعة معارض فنية تعيد قراءة الحرفة بمشاركة أكثر من 100 فنان وفنانة    البلديات والإسكان تبدأ إصدار أكثر من 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في الرياض    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    وزير الداخلية السوري يحذر «فلول النظام البائد» من نشر الفوضى    زيلينسكي يناقش مع ترمب تواجد «قوات أميركية»    التحول الديموغرافي.. التحديات والحلول    فنزويلا تبدأ خفض إنتاج النفط وسط الحصار الأميركي.. والصين تتضرر    ارتفاع السوق    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    الرياضة.. من رعاية الهواية لصناعة اقتصادية    الخيبري: الاتفاق استغل فرصتين    رونالدو أعلى اللاعبين دخلاً في العالم    المملكة أكبر مستورد عربي للأغذية والمشروبات بقيمة 6.6 مليارات دولار    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    «الأزيرق».. الشتاء يطرق الأبواب    احذروا من أخطار الفحم    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    من التخطيط إلى التنفيذ.. «إكسبو 2030 الرياض» ترسي مشاريع البنية التحتية والمرافق الأساسية    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    تعزيز البحث العلمي في المجال الإسعافي    الجوائز الثقافية.. رافد أساسي لتطوير الحراك الثقافي    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    المنتدى السعودي للإعلام 2026 يطلق ثاني لقاءات مبادرة "ضوء" في القصيم لاكتشاف الريف والاقتصاد المحلي    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    زوّجوه يعقل    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    24 شركة تفوز برخص للكشف عن 172 موقعا تعدينيا    المملكة تستعد لانطلاق النسخة السابعة من رالي داكار    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    التدريب التقني يطلق ورشة عن بعد لتعزيز العمل التطوعي    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    20 عيادة تمريضية متخصصة يطلقها تجمع جازان الصحي    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    فلما اشتد ساعده رماني    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    مسحوق ثوري يوقف النزيف الحاد في ثانية    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرب غزة .. الدين والسياسة والإنسان
نشر في الرياض يوم 19 - 02 - 2009

كان من الطبيعي بعد أن طبعت حماس وأشياعها الشارع الفلسطيني بطابع العنف أن تتراجع عملية السلام ، وأن يتوجس الطرف الآخر من حقيقة التأكيدات السلمية ؛ لأن وقائع حماس الإرهابية في ميدان الواقع ، تنفي بقوة الواقع العيني تأكيدات عرفات النظرية على طاولة المفاوضات . فعرفات كان عاجزا عن تأكيد ضماناته التي تكوّن النواة الأولى لمشروع السلام ؛ لأن حماس استطاعت مع بعض العناصر المناهضة للسلام تأكيد هذا العجز . ونتيجة لهذا التراجع الذي تتحمل حماس ورفقاؤها مسؤوليته ، أصبحت الأرض ممهدة باليأس لصوت السلاح ، ذلك الصوت الذي يُعبّرُ من جانب الفلسطينيين عن حالة يأس عميق ، أكثر مما يعبر عن حقائق القوة على أرض الواقع .
استغلت حماس حالة اليأس ، واستثمرت الإحباط الذي صنعته بنفسها ، وتقدمت بالضرب على أوتار الشعارات الكبرى ، تلك الشعارات التي دائما ما تصل من خلالها الأحزاب اليمينية إلى قلوب الجماهير في بلاد التخلف . وبهذا ، نمت شعبية حماس ؛ كشعبية مقاومة ، لا مفاوضة .استغلت حماس حالة اليأس ، واستثمرت الإحباط الذي صنعته بنفسها ، وتقدمت بالضرب على أوتار الشعارات الكبرى ، تلك الشعارات التي دائما ما تصل من خلالها الأحزاب اليمينية إلى قلوب الجماهير في بلاد التخلف . وبهذا ، نمت شعبية حماس ؛ كشعبية مقاومة ، لا مفاوضة .استغلت حماس حالة اليأس ، واستثمرت الإحباط الذي صنعته بنفسها ، وتقدمت بالضرب على أوتار الشعارات الكبرى ، تلك الشعارات التي دائما ما تصل من خلالها الأحزاب اليمينية إلى قلوب الجماهير في بلاد التخلف . وبهذا ، نمت شعبية حماس ؛ كشعبية مقاومة ، لا مفاوضة .استغلت حماس حالة اليأس ، واستثمرت الإحباط الذي صنعته بنفسها ، وتقدمت بالضرب على أوتار الشعارات الكبرى ، تلك الشعارات التي دائما ما تصل من خلالها الأحزاب اليمينية إلى قلوب الجماهير في بلاد التخلف . وبهذا ، نمت شعبية حماس ؛ كشعبية مقاومة ، لا مفاوضة .استغلت حماس حالة اليأس ، واستثمرت الإحباط الذي صنعته بنفسها ، وتقدمت بالضرب على أوتار الشعارات الكبرى ، تلك الشعارات التي دائما ما تصل من خلالها الأحزاب اليمينية إلى قلوب الجماهير في بلاد التخلف . وبهذا ، نمت شعبية حماس ؛ كشعبية مقاومة ، لا مفاوضة . لكنها وبخداع جماهيري تقدمت بشعبيتها ، شعبية المقاومة إلى صناديق الانتخاب ؛ للوصول إلى كرسي السلطة المُفاوضة ، أي السلطة التي بُنيت على أساس مبدأ السلام ، لا الحرب .
الميثاق الداخلي للحركة الحمساوية ، يؤكد بوضوح على كل ما هو مقابل ضدي لمبادئ السلام . وهو السلام الذي صنع السلطة الوطنية . وكانت الغلطة الكبرى التي قبِلَ بها الفلسطينيون اختيارا أو اضطرارا أنه تم منح من لا يؤمن بالفلسفة الديمقراطية ، فرصة استغلال الديمقراطية ، ومُنحَت السلطة لمن لا يؤمن بهذه السلطة ، ووضع مشروع الدولة تحت رحمة من تأسست بنيته الفكرية والتنظيمية على التأسيس لوجود مضاد لمفهوم الدولة المدنية الحديثة . وكان من الطبيعي أن تتفجر التناقضات من أول يوم تسلمت فيه حماس السلطة ، وكان من غير الطبيعي إلا في تبريرات التآمر الحماسوية أن تدهش حماس لوقوف الجميع باستثناء إيران وأتباع إيران ، الذين يقاتلون بأهل غزة ، ولا يقاتلون لهم ضدها ، أي ضد وجودها اللامشروع في السلطة .
لقد وقف هؤلاء الجميع ضد ( حماس السلطة ) ، مع أن هؤلاء أنفسهم لم يقفوا ضد ( حماس المقاومة ) . وهذا دليل على أن الموقف ليس ضد حماس كحركة ، وإنما هو موقف ينبع من سؤال الشرعية ، أي من ضرورة الاتساق مع شروط الشرعية التي تفتقدها ( حماس السلطة ) ، بينما لا تفتقدها ( حماس المقاومة ) . ولهذا وقف الجميع حائرا بين تناقضات وصول غير الشرعي إلى السلطة الشرعية الوطنية ، وحكم فعلي بقوة السلاح لقطاع غزة . وقد أدى هذا إلى تأزمات في علاقة السلطة بالداخل والخارج ؛ لأن هؤلاء وهؤلاء لا يعرفون مع من يتعاملون : مع حماس السلطة ، أم مع حماس المقاومة ؟ . والأهم ، أنهم قبل انقلاب حماس ، بل قبل فوزها بالانتخابات لا يعرفون : هل السلاح الذي يحمله رجال الأمن الحمساويون ، هو سلاح السلطة ، الذي يخضع لقانون السلطة ، أم سلاح حماس الخاص ( المقاوم ) الذي يخضع لشروط الحركة المقاومة ؟ . وكيف يتم التمييز بين هذا وهذا ؟ . وهل السلاح خارج السلطة سلاح شرعي ، أم لا ؟ ، وهل ستقوم حماس بعد الوصول للسطة بتسليم سلاحها الخاص ، أم ستدّخره للنائبات ؟ ،... إلخ الأسئلة التي لم ولن تتمكن حماس من الإجابة عليها .
إنها أسئلة كثيرة ، تطرحها مسالة الشرعية على حركة لا تؤمن إلا بشرعيتها الخاصة . الدولة الحديثة ، لا تنبع شرعيتها من الاعتراف الداخلي بها فحسب ، وإنما من الاعتراف الدولي ، الذي يمكنها من التعامل مع العالم على أساس واضح وصريح ، تتحدد فيه الحقوق والواجبات . الدولة بهذا المفهوم ، لا وجود لها عند الحركات الأصولية المتطرفة . فهذه الحركات لا زالت تفهم ( وضعية الدولة ) كما هي منذ ألف عام ، وتتصور أن بإمكانها الوقوف على قدميها في ظل انعدام كامل للتواصل مع العالم ، بل وفي حالة صدام مع شرعية هذا العالم .
إن العقل الذي يحكم هذه الحركات المتطرفة ، تكّونَ على ضوء التشبّث البالغ بالتراث ، وبدولة التراث ، تلك الدولة التي كان يمكن لها آنذاك أن تمارس انعزالها عن المحيط الدولي الذي لا تتوافق معه ؛ لأنه ليس في الحقيقة ثمة واقع دولي شامل وفاعل ، كما هو عليه الآن . فقد كان يكفي آنذاك أن تُحكِم أية سلطة قبضتها على الداخل ؛ لتضمن البقاء والاستمرار . وهذا سر أزمة حماس ، ذات الوعي التراثي ، كما أنه سر انقلاب الحزب الإيراني في لبنان على لبنان . وفق هذا الفهم التراثي ؛ لا بد أن تتعثر الشرعية ، لا بد أن تصدم هذه الحركات التي ينعدم لديها الإحساس فضلا عن الفهم الواعي بمفهوم الدولة الحديثة ، وبالهيكل الشرعي الصادر عن هذا المفهوم . ولهذا انقلب الحزب الإيراني على لبنان ، وانقلبت حماس على السلطة ، وسينقلب أي حزب متطرف آخر ؛ ما دام أنه يفكر من خلال العقل التراثي البائد .لقد وجدت حماس نفسها مشلولة وهي متربعة على كرسي السلطة ؛ لأن السلطة أيا كانت لا تعمل إلا من خلال شرعية دولية واسعة ، شرعية تحظى بقبول معظم الفاعلين الدوليين . ونتيجة لهذا الشلل ؛ بدأت رحلة التخبط في الداخل والخارج ؛ فتمّت إقالتها من قبل الرئيس الشرعي . لكنها رفضت الإقالة التي صدرت من الرئيس الشرعي ، وأصرت على فرض شرعيتها من خلال سلاحها اللامشروع ، سلاح حماس ، لا سلاح السلطة . وبافتقاد حماس للبقية الباقية من وهم الشرعية ؛ زادت أزمتها حدة ، وأصبحت في نظر العالم أجمع ، مجرد : عصابات خارجة على القانون . لكنها مع كل ذلك أمعنت في التمسك بالسلطة ، واختارت بالبقاء في الحكم ؛ ولو بالتضحية بآخر قطرة دم من دماء الفلسطينيين .
لقد جرت محاولات عديدة للتوفيق ، وشرعنة الوضع الحمساوي ؛ عن طريق وضعه في السياق الشرعي للسلطة الوطنية . وكان أهم هذه المحاولات اتفاق مكة ، الذي انقلبت عليه حماس ؛ لأنها لا بد أن تنقلب عليه . فالاتفاق الحقيقي يكون بين كيانات تستشعر مفهوم الدولة والتزاماتها . وحماس يستحيل عليها في سياق بنيتها الفكرية الراهنة أن تستشعر هذا المفهوم . ولهذا نقضت حماس كل المواثيق ، وتنكرت لكل العهود ، وحيّرت كل الدول التي تحاول تهدئة الأوضاع والتشنجات الحمساوية بالاتفاقيات والمعاهدات . وكانت مصر تبذل الجهود تلو الجهود في هذا المضمار . لكن ، لا أحد يعرف : ماذا يريد هذا الحراك المتطرف ، الذي تقوم هيكلته على شرعية الميلشيات المقاومة ، وليس على شرعية الدول .
وحين أُغلقت المعابر ، كان الإغلاق مبنيا على انعدام الشرعية . أي أن الحصار كان نتيجة لوضع غير شرعي ، وليس سببا لخلق حالة غير شرعية . ومعروف أن الحدود الدولية لا تصبح ذات هوية كحدود فضلا عن شرعية منافذ هذه الحدود إلا عندما تكون بين دولتين شرعيتين بالمفهوم الدولي . وبما أن إسرائيل قوة تدافع عن معابرها الحدودية ؛ دون خوف من جماهيرية الشعارات الصاخبة ، فقد وجدت حماس نفسها في مواجهة أشقائها ، في مواجهة معبر رفح . وهذا المعبر ليس معبرا بين سلطات محلية كما تتوهم بعض الجماهير البائسة وإنما هو معبر دولي ، بين دولة ( = مصر ) ودولة أخرى (= إسرائيل ) . والسلطة التي تطالب بفتح المعبر سلطة غير شرعية من جهة ، وسلطة محلية من جهة أخرى . ولا يمكن فتح الحدود إلا بالاتفاق بين دولتين شرعيتين ، وليس بضغط مليشيا مسلحة غير شرعية على الطرف الآخر من الحدود .
ألم أقل من قبل : إن كل التأزمات الحمساوية تنتهي بسؤال الشرعية . وهكذا ، ولوعي حماس بانعدام الشرعية ، حفرت الأنفاق للتهريب ، ليس بينها وبين إسرائيل بالطبع ، وإنما بينها وبين الأشقاء في مصر . وأنفاق التهريب تعني بداهة أن هناك عملا غير شرعي ، يجري في الخفاء . التهريب أي تهريب عمل يعاقب عليه القانون الداخلي والدولي . والدولة التي تسمح بمثل هذا التهريب ؛ تتحول من إطار مفهوم الدولة إلى مفهوم العصابة . فالعصابات الخارجة عن القانون ، هي التي لا تمتلك شرعية العمل القانوني في وضح النهار ، وإنما تمارس الممنوع بعيداً عن أعين القانون .
هكذا وقعت حماس في مأزق كبير . فهي تريد البقاء في السلطة بقاء غير شرعي ، وتريد في الوقت نفسه فتح الحدود على نحو شرعي ! . وبما أن الشرعية واللاشرعية لا يجتمعان ، وبما أن حماس لا تستطيع الدخول من بوابة الشرعية ؛ فقد عمدت إلى وسيلتين غير شرعيتين لضمان استمرار حكمها لغزة مهما كان الثمن ؛ حتى ولو أبيدت غزة كلها كما يقول إسماعيل هنية :
الأولى : ممارسة القوة لفتح المعبر . وطبعا ، المقصود : معبر رفح الوحيد مع مصر ، وليس مقصودا : المعابر الستة الأخرى مع إسرائيل . فإسرائيل تعرف كيف سترد على انتهاك حدودها . بل لقد أدى هذا التغطرس على الشقيق القريب إلى قتل ضابط مصري ، لا ذنب له ؛ إلا أنه كان يحرس حدود بلده . هذا ليس مجرد خطأ عابر ، بل هو رسالة تتضمن نوعا من التهديد الصريح . وهذا النوع من التهديد الموجه لمصر طبعا لم تكن تخفيه بعض القيادات الحمساوية ، التي كانت دائما ما تشير إلى إمكانية فتح المعبر المصري بالقوة ، أي بانتهاك سيادة مصر ، والدخول إلى مصر بالقوة . الحمساويون يفعلون هذا ، وكأن لهم حقا في أرض مصر ، أو كأن مصر بلد بلا سيادة ولا حدود . ومرة أخرى ، هذا سلوك طبيعي ، يمارسه جميع أولئك الذين يعيشون بمنطق المافيا ، لا بمنطق القانون .
الثانية : المتاجرة بالوضع الإنساني . فقد رضيت حماس بتجويع أهالي غزة ؛ كي يصل الوضع إلى درجة : ( المأساة الإنسانية ) التي تجعل المجتمع الدولي يتجاوز مسألة الشرعية ، مقدما الظرف الإنساني الحرج على مسألة الأسباب والمقدمات التي أدت إليه . ومن بعد ذلك تاجرت بقضية الحجاج ؛ لتفرض شبه شرعية ، عن طريق توظيف الحرج الديني . وحين سُمح بنقل الجرحى عبر المعبر إلى مستشفيات مصر ، رفضت حماس ، واشترطت الفتح الكامل للمعبر، وإلا فليمت الجرحى على الحدود . وهنا يصبح الإنسان ومأساة الإنسان مجرد أداة حمساوية للبقاء في الحكم فترة أطول . فكل دقيقة من الانتشاء بالسلطة ، كان ثمنها عشرات الأبرياء من أبناء غزة الأبرياء .
وحين لم تفلح هاتان الوسيلتان في تثبيت دعائم الحكم الحمساوي لغزة ؛ عمدت حماس إلى رفض التهدئة ، التي كانت ستبقي حالة اللاشرعية على حالها ، وستهز على المدى البعيد شرعية حماس في الداخل . وهنا تعمدت حماس الاشتباك مع إسرائيل ، لا لهدف تحقيق حرج عسكري ؛ فهي تعرف استحالة ذلك ، وإنما لتحقيق مأساة كبرى في غزة ، مأساة تجبر العالم من خلال مرأى الأشلاء والدماء والدمار الهائل على التدخل لصالحها ، أي بعيدا عن سؤال الشرعية . ولتحقق ذلك ، رفضت التهدئة ، وصعّدت الموقف ؛ بعد استئذان الولي الفقيه أمير المسلمين ( كما في وصف خالد مشعل الإيراني له ) .
لقد كان منع العدوان ممكنا ، وفي يد القرار الحمساوي ؛ كما أكد ذلك جميع المراقبين السياسيين . ولكن حماس كانت تريد العدوان وتستجلبه ؛ لإنقاذ كرسي السلطة في غزة . كانت حماس تبتهج كلما سقط عدد أكبر من الضحايا ؛ لأنها ترى أن هذا سيدعم موقفها اللاشرعي ، وسيجعل الحصار ينفرج ولو قليلا . صحيح أنها كانت تريد عدوانا في حدود ثلاثة أيام ؛ كما صرّح بذلك القائد الإيراني العبقري الإنساني الملهم ! : خالد مشعل ، بعد فوات الأوان وكل أوان فوات ! .
إذن ، كان مراد حماس أن تكون الخسائر بشرية أكثر منها مادية ( فالماديات رصيد لا يجوز التفريط فيه ) ؛ لتكون أداة استعطاف للضمير العالمي . أي لينشغل العالم عن سؤال الشرعية بسؤال الإنسان . أما البشر ، من حيث قيمتهم الإنسانية فلا قيمة لهم عند حماس . فحماس تؤكد أن المواليد في غزة خلال فترة العدوان أكثر من الضحايا ؟. وهكذا نرى الإنسان في نظر هؤلاء ، وكأنه كومة لحم حيواني على طاولة الجزار ، يُحسَب منها ما بقي وما استهلك بالكيلو ، وبما يوفره هذا اللحم من مال .
على هذا النحو ، يُنظر إلى الإنسان في الخطاب التقليدي . فالإنسان في هذا الخطاب التقليدي ليس إنسانا ذا كينونة كاملة وفريدة ؛ بحيث يستحيل تعويضه ، وإنما هو مجرد ( رقم ) يطرح من هنا ، ويُزاد من هناك . ومن ثَمَّ حسب هذا الوعي اللاإنساني فلا خسارة ، مادام الإنسان لحما يباع ويشترى . هكذا تُفكّر منظومة التقليد ، وهكذا يتصور التقليديون قيمة الإنسان .
يؤكد كل هذا أن حماس في النهاية قبلت بالتهدئة ؛ شرط فتح المعابر . وعلى هذا كانت تدور وتحاور . لاشيء تغيّر بعد الحرب ؛ غير السماح لحماس بحكم غزة ، عن طريق فتح جزئي للمعابر . ورضيت حماس واغتبطت ، فالمهم ليس إسرائيل ، ولا تحرير شبر واحد من أرض فلسطين . المهم أن تبقى حماس في الحكم . والدليل على هذا أن حماس قبلت بالوضع الذي كان موجودا قبل الحرب ، باستثناء الفتح الجزئي للمعابر . فالقضية على هذا لم تكن قضية الإنسان الفلسطيني ، وإنما كانت قضية كرسي الحكم الحمساوي الموهوم .
لا شك أن هذه الخطوط العريضة لمجريات الأحداث ، تفضح الدجل الإيديولوجي والشعاراتي لحماس ، وتؤكد أن حماس هي شريك إسرائيل ولو بالتقابل الضدي في قتل الفلسطينيين ، وأن محور المسألة إنما كان : سؤال الشرعية . فحماس تعي بعمق عدم شرعيتها ، ولكنها تصنع المأساة الإنسانية ؛ لينسى هذا السؤال . وبناء على هذا ، فلا بد من محاكمة مجرمي الحرب ، ليس بعضهم ، بل كل مجرمي الحرب من الطرفين ، وليس من طرف واحد فقط . لا بد أن يقاد أولمرت إلى المحكمة الدولية لمجرمي الحرب ، ولكن ، على أن يكون في القيد نفسه ، الإيراني : خالد مشعل ، وأن يكون في القيد الثاني ليفني والزهار ، وهكذا بقية القادة من الطرفين . فكلهم شركاء في هذه المذابح في غزة . فإذا كانت إسرائيل هي الحيوان المفترس الذي افترس الضحايا ؛ فإن حماس هي التي قدمت الضحايا لهذا الحيوان المفترس على طبق من ذهب ؛ لتأخذ الثمن : وهم سلطة وخيال حكم .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.