فتّش عن منشوراته نصوصًا وصورًا، ثم قيّم شخصيته، واستنتج سلوكه، واحكم عليه حكمًا نهائيًا... براءة أو إدانة! هكذا أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم؛ فضاءً يُمارَس فيه الحكم على الإنسان بأدوات سريعة، ومعايير مختزلة، وقراءات مبتورة. لقد أُقصي التفاعل الإنساني الفطري، واستُبدل بمنظومة جديدة من الأحكام الجاهزة، التي لا تحتاج إلى أكثر من ضغطة زر، أو تصفّح بضعة منشورات وصور وتعليقات، ليشعر المتلقي أنه "اكتشف" الآخر، بل وأحاط به فهمًا وتقييمًا. إنها "محاكم تفتيش" حديثة، لا تُقام في قاعات مغلقة، بل على شاشات مفتوحة، يمارس فيها الجميع دور القاضي، وأحيانًا دور الجلاد. تُقتطع النصوص من سياقها، وتُجتزأ المقاطع الصوتية والمرئية، ثم يُعاد نشرها بطريقة توجّه الإدراك، فيتلقفها المتابع ليبني عليها حكمًا قاطعًا، قد يصل إلى إلغاء احترامه لشخص، أو إنهاء علاقة، أو إصدار موقف حاد تجاه شخصية عامة أو خاصة. ولم يعد الأمر مجرد ظاهرة عابرة، بل أصبح نمطًا متكررًا يعكس تصاعد ثقافة "إلغاء الآخر"، حتى باتت تهدد التماسك الاجتماعي بشكل حقيقي.فالمجتمع الذي يُدار بعواطف لحظية، وأحكام مجتزأة، هو مجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على الفهم، والتسامح، والاتزان. الأخطر من ذلك، أن هذه المحاكم بلا سقف زمني ولا ضوابط أخلاقية؛ فكل فرد يمتلك منصته الخاصة، ويمارس من خلالها سلطته في التصنيف والإقصاء، بينما يتحول كل من يظهر على الشاشة إلى متهم دائم، ينتظر حكم الجمهور. لقد كان بالإمكان أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي أداة فاعلة لتعزيز جودة الحياة، وبناء وعي جمعي أكثر نضجًا، لكن سوء الاستخدام حوّلها إلى ساحة للانتقائية العاطفية، وجلد الآخر وفق معايير فردية متقلبة. وإذا كانت محاكم التفتيش التاريخية قد أُدينت لظلمها وقسوتها، فإن محاكم التفتيش الرقمية لا تقل خطرًا، بل تتفوق عليها في سرعتها، وانتشارها، وغياب المساءلة فيها. ستظل هذه الممارسات مؤشرًا على انتقال بعض المجتمعات إلى حالة من الفوضى الاجتماعية المقنّعة، حيث يُستبدل الحوار بالحكم، والفهم بالإدانة، والتواصل الحقيقي بمحاكمات عابرة لا تُنتج إلا مزيدًا من الانقسام.