لم يعد النقاش العام يُبنى على الحقائق بقدر ما يُبنى على ما يثير الانتباه، في بيئة تُدار بالخوارزميات، يكفي طرح مثير أو محتوى منتقى بعناية ليشعل موجة تشكيك في أي قرارات، خصوصًا في ملفات مهمة مثل البطالة وارتفاع الأسعار، المشكلة ليست في طرح الأسئلة، بل في تحوّل الشك إلى موقف افتراضي، يُمنح فيه الاتهام أولوية على التحقق. اللافت أن الجمهور يميل بطبيعته إلى من ينتقد، فالنقد يمنح شعورًا سريعًا بالوعي والقدرة على كشف ما وراء الستار، ومع تكرار الرسائل المثيرة، تتكوّن قناعات لا تستند إلى بيانات، بينما يُستقبل الطرح الرزين القائم على معلومات موثوقة بقدر من الريبة، وكأنه دفاع لا تحليل. هنا تنقلب المعادلة، يكسب الصوت الأعلى لا الحجة الأقوى. ويزداد هذا المشهد وضوحًا مع أرقام مشاهدات وانتشار تتجاوز بشكل لافت حجم الجمهور المحلي، بما يطرح تساؤلات مشروعة حول مصادر هذا الزخم، قد لا يكون ذلك دليلاً قاطعًا على تدخل منظم في كل حالة، لكنه يكشف عن دور محتمل لتفاعل خارجي، أو إعادة ضخ المحتوى عبر شبكات متعددة، أو توظيف القضايا المحلية لخلق جدل واسع يتجاوز حدودها الطبيعية، وفي المحصلة، تتحول الأرقام إلى أداة تضليل، تمنح المحتوى مصداقية مصطنعة، وتدفع قطاعات واسعة إلى تبنّي روايات غير ممحصة، فقط لأنها حازت على انتشار كبير. هذا المناخ يغري بصناعة محتوى يقوم على تسويق القلق، عبر تضخيم وقائع جزئية أو انتزاعها من سياقها، ومع تراجع الصبر على القراءة المتأنية، تتراجع قيمة التقارير والدراسات المتخصصة، رغم قدرتها على تقديم الصورة الكاملة. الحل لا يكمن في كبح النقد، بل في ترشيده: سؤال عن المصدر، وقراءة للسياق، وتمييز بين الرأي والمعلومة، ودور المتلقي لا يقل عن دور المؤسسات في الشفافية، فالترند عابر، لكن أثره في الوعي عميق، وحين يصبح الانتشار معيارًا للحقيقة، نفقد البوصلة.