دخلت أمس الأول المرحلة الثالثة لأعظم رؤية في تاريخ البشرية، رؤية المملكة 2030، وتتجه الأنظار اليوم إلى حصيلة التحولات المهمة التي أعادت تشكيل ملامح الاقتصاد والمجتمع ومسارات التنمية في المملكة. حيث تتوالى ردود الفعل من مسؤولين ومحللين وخبراء، كلٌّ يقدّم قراءته لمسار الرؤية وما حملته من إنجازات وتحديات وفرص. هذا التفاعل الواسع يعكس حجم الاهتمام المحلي والدولي بتجربة تُعدّ من أبرز مشاريع التحول الوطني في المنطقة، ويمنح مساحة أعمق لفهم ما تحقق وما ينتظر السنوات المقبلة. وقال عضو مجلس الشورى الأستاذ فضل بن سعد البوعينين ل"الرياض"، إنجازات مهمة وثقها التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 للعام 2025، تؤكد بأن الرؤية تمضي في مسارها الصحيح، وتحقق مستهدفاتها، من خلال جهود التنفيذ المتسارعة، ما أثمر في تحقيق مستهدفاتها الاقتصادية والمجتمعية، إضافة إلى فاعلية الحكومة، ومرونتها، التي مكنتها من تنفيذ برامج الرؤية بروح الفريق الواحد، وترسيخ مكانة الاقتصاد السعودي عالميًا، وتطوير المجتمع، وتمكين القطاع الخاص، وتحفيز القطاعات الاقتصادية الواعدة ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي. جهود مباركة نجحت في تحقيق تقدم في مؤشرات مستهدفات الرؤية بنسبة 93 %، ووصول نسبة الإنجاز إلى أكثر من 90 % في العديد من البرامج، ما يؤسس للمرحلة الثالثة من مراحل الرؤية التي ستعزز المكاسب، وتحقق مزيدا من المستهدفات في جميع القطاعات، وتسهم في تحقيق الاستدامة. ساهمت الإصلاحات المالية والاقتصادية في تحقيق نموا استثنائياً للاقتصاد السعودي بنسبة 80 في المائة منذ انطلاق الرؤية ليتجاوز حاجز التريليون دولار لأول مرة، مسجلا 1.31 تريليون دولار، وارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 55 %، ومساهمة القطاع الخاص بنسبة 51 %، وزيادة نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من 36 % وانخفاض معدل البطالة ليصل إلى 7.2 %، وتحقيق قفزات في الاستثمارات العامة والخاصة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي التي نمت بخمسة أضعاف لتصل إلى 35.5 مليار دولار وتضاعف أصول صندوق الاستثمارات العامة ونموه بأكثر من 400 %، ليصل إلى 909 مليار دولار، وتعزيز دوره في قيادة التنمية، وخلق شراكات عالمية ساهمت في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وتوطين التقنية، والتوسع في القطاع الصناعي. قطاع الصناعة والتعدين من أهم القطاعات المستفيدة من الإصلاحات، وبرامج الرؤية، حيث ارتفعت الاستثمارات الصناعية إلى 1.2 مليار ريال. وارتفع عدد المصانع في المملكة بشكل كبير ليصل إلى 12.9 ألف مصنع منتشرة في أنحاء المملكة، مقارنة ب7.2 ألف في 2016. وأصبحت المملكة اليوم من بين الدول الأكثر تنافسية وجذبا للاستثمار التعديني، وموثوقية بفضل مقدراتها ومخزونها وإدارتها الحكيمة، حيث زادت القيمة المقدَّرة للثروات المعدنية إلى أكثر من 9.4 تريليون ريال بنمو بلغ نحو 90 في المائة، مقارنة بعام 2016، مع قفزة في قيمة المعادن الأرضية النادرة التي قُدِّرت قيمتها ب375 مليار ريال. كما احتلت المملكة المرتبة العاشرة عالمياً حسب تقرير معهد فريزر الكندي 2025. وجاءت في المرتبة العاشرة خلال العام المنصرم، والأولى عالمياً في المؤشر الفرعي الخاص بنظام الضريبة التعدينية، بالإضافة إلى مؤشر وضوح لوائح النظام التعديني وكفاءة الإدارة التنفيذية. ساهمت برامج ومستهدفات الرؤية في تعزيز الصادرات السعودية غير النفطية التي حققت أرقاما قياسية ومكنت المملكة من تصدر مجموعة العشرين من حيث نسبة النمو وفق أحدث البيانات العالمية. حيث سجلت في عام 2025م أداءً تاريخياً بلغ 624 مليار ريال مقارنة ب543 مليار ريال في 2024م، بنسبة نمو سنوي قدره 15 %، وارتفعت مساهمتها في إجمالي صادرات المملكة إلى 44 % مقابل 39 % في العام السابق، وهو أعلى مستوى تاريخي. رفع حجم الصادرات غير النفطية يعكس نجاح برامج رؤية السعودية 2030 ذات العلاقة بتنويع مصادر الاقتصاد ورفع كفاءة القطاع الصناعي ومساهمته في تعزيز النمو ورفع تنافسية المنتجات السعودية في الأسواق العالمية وتوسيع الشراكات التجارية. نتائج متميزة تم تحقيقها خلال الفترة الماضية، ووثقها تقرير الرؤية للعام 2025 بشفافية مطلقة، وهو نهج حكومي معزز للإنجازات الحكومية من جهة، ولثقة المستثمرين والمواطنين بمخرجات الرؤية، والاقتصاد السعودي من جهة أخرى. جهود مباركة قامت بها الحكومة بتوجيهات خادم الحرمين الشريفين وقيادة سمو ولي العهد الذي يشرف ويتابع مسارات برامج الرؤية ومستهدفاتها بدقة لضمان تحقيق الأهداف، بعد توفيق الله. من جهته قال د. حسين العطاس المستشار المالي والاقتصادي، مثّل التقرير السنوي لرؤية رؤية السعودية 2030 الصادر في 2025 محطة تقييم مفصلية؛ لأنه لا يراجع عامًا عاديًا من التنفيذ، بل يقدّم قراءة شاملة لمسار تسع سنوات من التحوّل منذ إطلاق الرؤية في 2016 بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز. ولذلك، فالتقرير لا يُقاس بلغة الإنجاز السنوي، بل بلغة "نتائج التحوّل". أول ما يلفت الانتباه أن التقرير لم يعد يتحدث عن مبادرات ومشاريع قيد التنفيذ بقدر ما يتحدث عن مؤشرات أداء تحققت، وأهداف تم تجاوزها قبل موعدها، وقطاعات أصبحت تملك مساهمة فعلية في الناتج المحلي. وهذا تحوّل نوعي في الخطاب: من التخطيط إلى الأثر. والرسالة الأهم في التقرير أن التحوّل لم يكن إنفاقًا على مشاريع، بل بناء منظومة، وحوكمة أقوى، كفاءة مالية أعلى، بيئة أعمال أكثر جاذبية، اقتصاد رقمي متقدم، وتمكين اجتماعي انعكس على سوق العمل ومشاركة المرأة ونمو القطاعات الجديدة كالسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية. هذه ليست نتائج قطاعية منفصلة، بل ملامح اقتصاد جديد يتشكل. ومن زاوية اقتصادية بحتة، يكشف التقرير أن تنويع القاعدة الاقتصادية لم يعد هدفًا مستقبليًا بل واقعًا ملموسًا في أرقام الصادرات غير النفطية، ونمو الأنشطة غير التقليدية، وارتفاع جاذبية السوق السعودي للاستثمار المحلي والأجنبي. وهذا ما يجعل التقرير وثيقة ثقة بقدر ما هو وثيقة إنجاز. لكن القراءة المهنية المتوازنة للتقرير تشير أيضًا إلى أن المرحلة القادمة مختلفة، فما بعد بناء البنية التحتية للتحوّل، يبدأ التحدي الأكبر في تعظيم الأثر على جودة الحياة وتكلفة المعيشة، وخلق وظائف نوعية عالية القيمة، وضمان وصول ثمار النمو إلى مختلف شرائح المجتمع بوتيرة أسرع. وهنا تنتقل الرؤية من "تحقيق المستهدفات" إلى "تحسين التجربة اليومية للمواطن". ميزة التقرير أنه يعكس شفافية عالية في عرض المؤشرات، ويُظهر نضجًا في إدارة البرنامج الوطني؛ إذ لم يعد التركيز على إعلان المشاريع، بل على قياس العائد منها. وهذا بحد ذاته تطوّر مؤسسي مهم يعكس أن الرؤية أصبحت أسلوب إدارة دولة، لا خطة مؤقتة. وفي الخلاصة، يؤكد تقرير 2025 أن رؤية السعودية 2030 تجاوزت مرحلة الوعود والطموحات، ودخلت مرحلة النتائج القابلة للقياس. وما تحقق خلال تسع سنوات يضع المملكة في موقع متقدم عالميًا كنموذج لتحوّل وطني سريع وعميق. أما التحدي الحقيقي في السنوات الخمس المتبقية، فهو تحويل هذا النجاح الاقتصادي والمؤسسي إلى أثر معيشي ملموس يشعر به الفرد في تفاصيل حياته اليومية. هذا التقرير لا يروي قصة ما تم إنجازه فقط.. بل يوضح ملامح السعودية كما ستكون في 2030. د. حسين العطاس فضل البوعينين