بين انشغال أميركي وحدود صينية، وبين قلق آسيوي متصاعد واعتماد طاقة هش، تتشكل ملامح عالم جديد أقل استقرارًا وأكثر عرضة لإعادة توزيع القوة، لأن توازنات الردع التقليدية لم تعد كافية لضبط إيقاع هذا العالم المتغير، وتفتح هذه المعادلة الجديدة الباب أمام مرحلة يكون عنوانها الأبرز "تعددية القلق؛ بدلًا من "تعددية الأقطاب".. ينشغل هذا المقال بتفكيك قراءة تحليلية عميقة تستند إلى رؤية فاليري نيكيه الباحثة في معهد اليابان للشؤون الدولية، والتي تنظر إلى الحرب الدائرة في الشرق الأوسط كمرحلة كاشفة لاختلالات أعمق في بنية النظام الدولي، أكثر منها صراعًا إقليميًا محدودًا، ووفق هذا المنظور، تتجاوز تداعيات الحرب حدودها الجغرافية لتطال توازنات الردع العالمي، وتعيد طرح سؤال القدرة على إدارة النظام الدولي في ظل تعدد بؤر التوتر وتداخلها. تكمن نقطة الانطلاق في هذه القراءة في التمركز العسكري الأمريكي المكثف في الشرق الأوسط، والذي يُفهم كإشارة إلى مفارقة استراتيجية تتعلق بحدود قدرتها على توزيع مواردها بين مسارح متعددة، فبينما تعلن واشنطن منذ سنوات نيتها إعادة توجيه ثقلها نحو منطقة الإندو-باسيفيك، يكشف الواقع الميداني عن عودة اضطرارية إلى الشرق الأوسط، بما يفرغ جزئيًا هذا التوجه من مضمونه العملي، وتمنح هذه خصومها، وفي مقدمتهم الصين، مساحة لتعزيز سردية "تراجع القدرة الأمريكية" عبر الوقائع. غير أن المفارقة الأكثر عمقًا في رؤية نيكيه، تمتد إلى بكين ذاتها، فرغم ما راكمته الصين من نفوذ اقتصادي وشبكات شراكات استراتيجية، فإن سلوكها خلال الحرب يكشف حدود نموذجها القائم على "التمدد دون انخراط أمني مباشر"، فهي تبدو لاعبًا اقتصاديًا عالميًا فاعلًا، تتجنب التورط في ترتيبات أمنية معقدة، ما يجعل حضورها في لحظات الأزمات الكبرى أقرب إلى الحياد الحذر منه إلى الفعل المؤثر، ويطرح هذا التباين بين الوزن الاقتصادي والدور الأمني تساؤلات حول قدرتها على التحول إلى ضامن استراتيجي بديل، ويكشف أن صعودها لا يزال محكومًا بسقف محسوب من المخاطرة. في هذا الفراغ النسبي بين انشغال أميركي وحدود صينية، تجد دول شرق آسيا نفسها أمام لحظة مراجعة استراتيجية غير مسبوقة، فدول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، التي أدارت لعقود توازنًا دقيقًا بين التحالف الأمني مع واشنطن والانخراط الاقتصادي مع بكين، تواجه اليوم تآكلًا تدريجيًا في هذا النموذج، ف"الغموض الاستراتيجي" تحول إلى مساحة ضيقة تتطلب إعادة تعريف الأولويات، ولم يُصبح سؤالها كيف نوازن بين القوتين، بل إلى أي مدى يمكن الاعتماد على مظلة أمنية قد تُستنزف في جبهات أخرى. تزداد حدة هذه المعضلة إذا ما أُخذ في الاعتبار بُعد الطاقة، الذي يشكل أحد أعمدة الأمن القومي في شرق آسيا، إذ تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الخليج، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الاقتصادي، وهنا ومن دون سابق إنذار، تصبح الحرب عامل ضغط داخلي يعيد تشكيل حسابات الأمن والاقتصاد في آن واحد، ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد في الشرق الأوسط ينعكس بصورة شبه فورية على شرق آسيا، عبر أسعار الطاقة، وإعادة ترتيب أولويات السياسات الدفاعية. الأبعاد الأكثر حساسية في هذه القراءة تتصل بإعادة تعريف مفهوم الردع ذاته، فمع تآكل الثقة في الضمانات الأمنية التقليدية، ربما تتجه بعض الدول إلى خيارات كانت تُعد سابقًا خارج الإطار المقبول، بما في ذلك تعزيز قدراتها العسكرية إلى مستويات متقدمة تلامس العتبة النووية، وهذا التحول يُفهم كاستجابة لبيئة استراتيجية يتراجع فيها اليقين، ويُعاد فيها توزيع المخاطر بشكل غير متكافئ، وتكمن هنا خطورة اللحظة، إذ لا يتعلق الأمر بحرب واحدة، بل بسلسلة من التفاعلات التي قد تعيد تشكيل بنية النظام الأمني العالمي. في هذا السياق المركّب، تُعيد السعودية هندسة موقعها داخل هذه التحولات، إعادة توجيه جزء من تدفقات الطاقة عبر ممرات بديلة تتجاوز الاعتماد الحصري على مضيق هرمز، من خلال البنية التحتية الاستراتيجية شرقًا وغربًا، وتعكس بذلك إدراكًا مبكرًا لطبيعة المخاطر البنيوية المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج، ولا تنفصل هذه المقاربة عن رؤية أشمل لتقليل "مخاطر الاختناق الجيوسياسي"، وتحويل الجغرافيا إلى أداة سيادية لإدارة التدفقات الحيوية، وعند ربط هذا المسار بسياق التحولات التي ترصدها فاليري نيكيه، يتضح أن الرياض تقدم نموذجًا مغايرًا لما بين انشغال القوى الكبرى وحدود أدوارها؛ لتعزيز مرونتها الاستراتيجية بدل الارتهان للضمانات الخارجية، ويمتد أثر هذا الدور إلى اقتصادات شرق آسيا المعتمدة على تدفقات مستقرة من المنطقة، ما يجعل المملكة عنصر توازن ضمن معادلة الردع غير المباشر. في نهاية المطاف، تكشف قراءة فاليري نيكيه لهذه الحرب عن مرحلة انتقالية في النظام الدولي، تتداخل فيها الأبعاد الإقليمية مع التحولات البنيوية الكبرى، فبين انشغال أميركي وحدود صينية، وبين قلق آسيوي متصاعد واعتماد طاقة هش، تتشكل ملامح عالم جديد أقل استقرارًا وأكثر عرضة لإعادة توزيع القوة، لأن توازنات الردع التقليدية لم تعد كافية لضبط إيقاع هذا العالم المتغير، وتفتح هذه المعادلة الجديدة الباب أمام مرحلة يكون عنوانها الأبرز "تعددية القلق، بدلًا من "تعددية الأقطاب".. دمتم بخير.