في مفارقة لافتة، يبدو أن جامعة الملك سعود في عصر الذكاء الاصطناعي قررت تقليص مساحة العلوم الإنسانية في الوقت نفسه الذي نحتاج إليها أكثر من أي وقت مضى. فقد أوقفت الجامعة القبول في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية لكثير من التخصصات، رغم أن المتوقع رفع القبول فيها لأهميتها في إدارة الذكاء الاصطناعي وصناعته. الحجة المعتادة معروفة: على الجامعات أن تستجيب لسوق العمل. رغم وجاهة الحجة، إلا أنها تسيء قراءة السوق. ما يحدث اليوم أن الذكاء الاصطناعي بدأ في التوسع لأداء أعمال إدارية وهندسية تهدد بها المتخرجين من كليات الإدارة والهندسة، بينما تستعصي العلوم الإنسانية عليه حتى اليوم. فإذا كان سوق العمل متجها بسبب الذكاء الاصطناعي إلى تقليص وظائف المهندسين والمحاسبين، لماذا نستمر في تدريس هذه المواد؟ في المقابل، إذا تولى الذكاء الاصطناعي الأعمال الإدارية والهندسية، سنحتاج إلى من يديره بعقلية تتطلب فهما إنسانيا لا هندسيا. فإذا نظرنا إلى توجيهات اليونسكو بشأن الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث، نجدها تشدد على الوكالة البشرية والتفكير النقدي والأخلاقيات والاستخدام المسؤول، لا على تبني التقنية. وإذا كان هذا هو المستقبل كما تدل إليه المؤشرات، كيف نقلص الخريجين في المجالات التي نحتاجها؟ قرار جامعة الملك سعود يخصها بلا شك، ولها أن تحدد موقعها ضمن منظومة جامعات المملكة في تشكيل تخصصاتها وعلاقتها بالمجتمع، لكن ما يهمنا هو السؤال الأكبر لبقية الجامعات التي يمكن أن تحذو حذوها: ما التخصصات التي ستمكن المجتمع من الإشراف على الذكاء الاصطناعي، وتأويله، وضبطه، حين يتوسع في التعليم، والإدارة، والإعلام، والبحث، واتخاذ القرار؟ إذا ابتدأنا من سؤال الذكاء الاصطناعي سنصل إلى نتيجة مختلفة. ذلك لأن الذكاء الاصطناعي يغير قيمة المهارات البشرية نفسها. فهو قادر على أتمتة أجزاء من الكتابة، والبرمجة، والتلخيص، والتصنيف، وحتى بعض الأعمال التحليلية. لكنه لا يحسم أسئلة المعنى، والمشروعية، والعدالة، والذاكرة التاريخية، والتأويل الثقافي، والمسؤولية الأخلاقية. ربما لم نكن نولي هذه الأسئلة اهتماما كبيرا، وقد يبدو تقليص التخصصات الإنسانية لو اتخذ قبل عشر سنوات مفهوما، لكن هذه الأسئلة اليوم تزداد أهمية مع زيادة الأنظمة الذكية قدرة وانتشارا. الأسئلة التي تنميها الفلسفة، والتاريخ، واللغة، والأدب، والعلوم الإنسانية عموما، هي التي تحمل في جيوبها الإجابات التي نحتاجها. فالمجتمع الذي يوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الوقت الذي تضعف في يده أدوات الحكم عليه، يكون قد جرد نفسه من أهم أدواته الفكرية الأساسية. إذا كانت اليونسكو توصي بتعزيز المنظور الإنساني في توصيتها الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وكما يشير تقرير مستقبل الوظائف الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى تزايد أهمية مهارات مثل التفكير التحليلي، والتفكير الإبداعي، والفضول، والمرونة، والتفكير المنظومي إلى جانب المهارات التقنية. فكيف لنا أن نفهم قرار تقليص العلوم الإنسانية سوى أنه خطأ استراتيجي يدعونا إلى إعادة النظر في تموضع هذه العلوم بما يتناسب مع دورها المستقبلي.