يمثّل ركيزة أساسية للتنافس على وظائف المستقبل في ظل التسارع التقني الذي يشهده العالم، بات الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات التي تعيد تشكيل أنماط التعليم والعمل وصناعة المعرفة، ويفرض على الجامعات أدوارًا جديدة تتجاوز حدود القاعة الدراسية إلى بناء الإنسان القادر على التكيّف مع متطلبات المستقبل، ولم يعد التعليم الجامعي اليوم مقتصرًا على منح الشهادات، بل أصبح مسؤولًا عن تنمية مهارات التفكير، وتعزيز القدرة على التعلّم المستمر، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، بما يواكب التحولات المتسارعة في سوق العمل وفي هذا السياق، تتقدّم التجربة السعودية بوصفها نموذجًا طموحًا يستند إلى رؤية وطنية تستثمر في الإنسان أولًا، وتدعم الابتكار والبحث العلمي، وتعمل على تمكين الشباب من أدوات العصر بروحٍ واعية ومسؤولة. وفي الحديث عن هذه التحولات، تحدّث د. رامي بن محمد -عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن فيصل- عن دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا بوصفه طاقة معرفةٍ جديدة ترفع قيمة المهارة وتوسّع فرص الإبداع، قائلاً: يدخل الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا بوصفه طاقة معرفة جديدة ترفع قيمة المهارة وتُوسّع فرص الإبداع وتفتح أمام الشباب أبواباً واسعة لصناعة أثر مهني وعلمي واجتماعي، وفي هذا المشهد تقف الجامعات بوصفها بوابة التحول تصنع العقول، وتغذّي الطموح، وتحوّل الأفكار إلى منافع ملموسة، مبيناً أن الرؤية الطموحة والاستثمار في التعليم والبحث والابتكار يصنع بيئة جامعية تشجّع الطالب على أن يكون منتجاً للمعرفة وصاحب مشروع وباحثاً عن حلولٍ تفيد وطنه والعالم، مؤكداً على أنها لحظة ثقة، ثقة بالمستقبل، وثقة بقدرة شبابنا على التقدّم في ميادين التقنية والعلوم والاقتصاد، فوظائف المستقبل لا تنتظر شهاداتٍ معلّقة على الجدار بل تثمّن عقلًا مرنًا يواصل التعلّم ويجيد صياغة المشكلة ويقرأ البيانات بوعي ويعرف كيف يتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي بأخلاق ومسؤولية. استخدام ذكي وأوضح د.رامي بن محمد أن الطالب الجامعي الذي يتقن أساسيات البرمجة وتحليل البيانات ويجمع معها مهارات التواصل والعمل الجماعي يضع قدمه على طريقٍ مهنيٍّ واعدٍ في قطاعاتٍ متعددة، مضيفاً أن من أهم ما يحتاجه طالب الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي قدرة عملية على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي استخدامًا ذكيًا من خلال كتابة أسئلة دقيقة والتحقّق من المعلومات وبناء نماذج أولية وتوثيق العمل، هذا الاستخدام لا يلغي دور العقل بل يرفعه إلى مستوى أعلى فيتحول الذكاء الاصطناعي إلى مساعد بحث ومسرّع إنتاج ويبقى الإنسان قائد القرار وصاحب البصمة، مبيناً أنه يمكن للجامعات أن تدعم استعداد الطلبة عبر مسارات واضحة مثل أن يتم طرح مقررات في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتوفير معامل تطبيقية، وتحفيز مشاريع تخرج مرتبطة بتحديات وطنية وبناء شراكات مع شركات التقنية وريادة الأعمال، مشيراً إلى أنه مع ما تشهده المملكة من نمو في برامج الابتكار وحاضنات الأعمال وتمويل المشاريع تصبح رحلة الطالب من قاعة المحاضرة إلى سوق العمل رحلةً طبيعية محمية بالفرص والتوجيه، ومن أجمل ما يبعث التفاؤل أن الطالب اليوم يتحرك في بيئة وطنية تُراهن على الإنسان قبل الأدوات، فحين يسمع الشاب عن مشاريع عملاقة مثل "نيوم" بما تحمله من تجارب في المدن الذكية والطاقة والتقنيات المتقدمة، تتسع مخيلته المهنية ويبدأ في ترجمة طموحه من خلال بناء حلول رقمية تخدم الإنسان والبيئة والاقتصاد، كما يبرز دور "سدايا" بوصفها منصة وطنية تدفع عجلة البيانات والذكاء الاصطناعي وتفتح المجال لثقافة جديدة في التعامل مع معرفة قابلة للقياس والتحليل وصناعة القرار. قيمة مهنية وأكد د.رامي بن محمد على أنه حين تتعاون الجهات الوطنية مع الجامعات في مبادرات تدريبية ومسابقات ولقاءات علمية يتعلم الطالب لغة العصر من داخل وطنه، وكيف تُدار المشاريع التقنية، وكيف تُبنى المنتجات الرقمية، وكيف تتحول الفكرة إلى خدمة نافعة، وفي مثل هذه البيئة تتشكل لدى الطلبة قيمةٌ مهنية مهمّة أساسها الطموح والانضباط في العمل وإدراك أهمية مسؤولية التقنية في حياة الناس، مضيفاً أنه على مستوى طريقة التدريس داخل الجامعات يقدم الذكاء الاصطناعي فرصًا واسعة لرفع جودة التعلم عبر أدوات عملية مثل بناء منصات تساعد الأستاذ على إعداد أسئلة متنوعة تغطي مستويات التفكير وأنظمة تُمكّن الطالب من التدرّب على حل المسائل خطوة خطوة مع تغذية راجعة وأدوات تقيس تقدمه بوضوح، مبيناً أن التعليم كذلك من المختبرات الافتراضية التي تسمح بتجارب آمنة في الهندسة والكيمياء والطب، ومن محاكاة حالات واقعية في الإدارة والقانون والإعلام، هذا لا يحوّل التعليم إلى أزرار وشاشات بل يجعله أكثر وضوحًا وفاعلية ويمنح الطالب مساحة ليجرّب ويخطئ ويتعلم من الخطأ دون خوف، وفي البحث العلمي، يرفع الذكاء الاصطناعي سرعة العمل ودقته عبر مسارات متعددة مثل تنظيم المراجع العلمية، وتلخيص الدراسات مع الاحتفاظ بالنقاط الجوهرية، وتحليل مجموعات بيانات كبيرة، واقتراح فرضيات قابلة للاختبار، ويستطيع الباحث في الجامعة أن يوفر وقتًا ثمينًا كان يذهب في أعمال روتينية فيوجّهه إلى التفكير النقدي وصناعة السؤال العلمي الجيد وتصميم التجربة، وحين تتوفر البنية التحتية البحثية وتُشجَّع الشراكات بين الجامعة والقطاعين العام والخاص يصبح إنتاج المعرفة أكثر اتصالًا باحتياجات المجتمع ويكبر أثره في الصحة والاقتصاد والبيئة وهي مساحات تهم المواطن في حياته اليومية. سلّم مهارات وذكر د.رامي بن محمد أنه لكي يستعد طالب الجامعة لوظائف المستقبل بصورة عملية يحتاج إلى سلّم مهارات واضح يتدرج فيه خلال سنوات الدراسة، هذا السلم لا يعني بالضرورة من كل طالب أن يصبح مهندس ذكاء اصطناعي بل يدعوه إلى امتلاك قدر كافٍ من الثقافة التقنية يمكّنه من المنافسة على وظائف المستقبل والعمل بثقة في بيئات عمل تتطلب إتقان مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، ومن أفضل ما يرسّخ هذه المهارات مشاريع تطبيقية تعالج قضايا حقيقية داخل المجتمع، فمثلاً يمكن لطالب التمريض أن يصمم نموذجاً لتوقع مخاطر صحية وفق بيانات مجهولة الهوية، وطالب الزراعة أن يشارك في مشروع يستخدم الرؤية الحاسوبية لرصد جودة المحاصيل، وطالب الإعلام أن يطور أداة ترصد اتجاهات الرأي العام مع معايير أخلاقية واضحة، وطالب القانون أن يدرس أثر الخوارزميات على العدالة والخصوصية، وتبقى الأخلاقيات حجر زاوية في أي حديث عن الذكاء الاصطناعي داخل الجامعات، مضيفاً أن الطالب يحتاج إلى وعيٍ عميق بقضايا الخصوصية والتحيز في البيانات وحقوق الملكية الفكرية وحدود استخدام الأدوات في الواجبات والاختبارات، ومن المفيد أن تتبنى الجامعات ميثاقًا واضحًا للاستخدام الأكاديمي يوضح متى يُسمح بالاستعانة بالأدوات وكيف يُذكر ذلك في الهامش أو الملحق، وما الذي يُعدّ عملاً أصيلاً للطالب، وما الذي يُعدّ انتحالًا أو تضليلًا، هذا الوضوح يحمي الطالب ويصون قيمة الشهادة ويجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة للارتقاء لا سببًا للفوضى، وفي هذا السياق يمكن للطالب نفسه أن يتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة تزيده قوةً لا اعتمادًا أعمى، فالطالب قد يستخدمها للعصف الذهني ثم يختار الفكرة الأنسب ويعيد صياغتها بأسلوبه ويطلب منها وضع خطة بحث أو قائمة أسئلة ثم يعود إلى المصادر الأصلية للتوثيق والتحقق، ويمكنه أن يطلب مراجعة لغوية أو تنظيمًا منطقيًا للفقرات ثم يتولى هو مسؤولية الدقة والمرجعية، ومع التزامه بالتوثيق العلمي يكتسب عادةً بحثية ثمينة، فلا يكتفي بما يبدو مقنعًا، بل يبحث عما يمكن إثباته. تعلم ذاتي ومن جهة عضو هيئة التدريس تظهر فرص واسعة لتجديد طرائق التعليم دون المساس بجوهرها، فيمكن للأستاذ أن يخصص وقت المحاضرة للحوار والتحليل وحل المشكلات ويترك للمنصات الذكية مهمات التدريب الأولي، وأن يستخدم أدوات تساعده في رصد تقدم الطلاب واكتشاف مواطن التعثر مبكرًا، كما يمكنه أن يبتكر أساليب تقييم أكثر عمقًا مثل مشاريع جماعية، وعروض شفوية، وتقارير تفكير نقدي بما يبرز شخصية الطالب العلمية بدل الاكتفاء بإجابات قصيرة يسهل نسخها، وحين تتكامل هذه الممارسات مع مبادرات وطنية مثل برامج التدريب التعاوني والشراكات مع جهات التقنية يصبح التعلم الجامعي رحلة تتصل بحياة الناس وفرصهم، ومع كل هذه الفرص تظل هناك مهارة واحدة تجمع الجميع وهي القدرة على التعلّم الذاتي المنظم، فالطالب الذي يخصص ساعة يومية لقراءة أحدث ابتكارات الذكاء الاصطناعي في مجاله ويجرب أدوات جديدة بوعي ويكتب ما يتعلمه في مذكرات، يبني لنفسه سيرة ذاتية أقوى من أي وصف جاهز، وحين يضيف إلى ذلك عملًا تطوعيًا أو مشاركة في نادي طلابي تقني أو بحثي تتكون لديه شخصية قيادية متزنة تجمع المعرفة مع روح المبادرة وتفتح أبوابًا في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقية من تحليل الأعمال إلى الأمن السيبراني، ومن التعليم الرقمي إلى الصحة الذكية. ارتباط مباشر وأكد د.رامي بن محمد أن مهارات الذكاء الاصطناعي لم تعد خيارًا معرفيًا إضافيًا، بل أصبحت ركيزة أساسية للتنافس على وظائف المستقبل، لارتباطها المباشر بأنماط العمل الحديثة في معظم القطاعات الحيوية، من التعليم والصحة والإعلام إلى الصناعة والخدمات والاقتصاد الرقمي، فالعالم اليوم يتجه نحو نماذج عمل تقوم على البيانات، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التكيّف مع التقنيات المتغيرة، وهي مهارات لا يمكن بناؤها بمعزل عن فهم واعٍ للذكاء الاصطناعي واستخداماته وحدوده الأخلاقية، ويُحسب للمملكة أنها أدركت هذا التحول مبكرًا، وتعاملت معه بوصفه خيارًا وطنيًا استراتيجيًا يرفع جاهزية الإنسان قبل أي شيء، فقد جاء الاستثمار في التعليم والبحث والابتكار متزامنًا مع سياسات تمكين الجامعات، وتطوير المناهج، وبناء الشراكات مع الجهات التقنية، ودعم مسارات البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التوسع في برامج التدريب، وحاضنات الأعمال، ومبادرات ريادة الابتكار، وهي خطوات تعكس وعيًا عميقًا بأن اقتصاد المستقبل لا يُبنى بالأدوات وحدها، بل بالعقول القادرة على توظيف هذه الأدوات بمسؤولية وكفاءة، وفي ظل هذا التوجه، يجد الطالب نفسه أمام منظومة تعليمية أكثر مرونة وانفتاحًا على الواقع، تتيح له فرصة تحويل المعرفة النظرية إلى تطبيقات عملية، وربط تخصصه الأكاديمي باحتياجات المجتمع وسوق العمل، مبيناً أنه لم يعد التفوق مرهونًا بالحفظ أو التلقين، بل أصبح مرتبطًا بالقدرة على التحليل، وصياغة الأسئلة، والعمل الجماعي، والتعلم المستمر، وهي مهارات تتعزز بشكل كبير عند الاستخدام الذكي لأدوات الذكاء الاصطناعي، كما أسهمت البيئة الوطنية الداعمة للابتكار في توسيع آفاق الطلبة، عبر تعريفهم بمشاريع كبرى وتجارب رائدة في المدن الذكية، والطاقة، والتقنيات المتقدمة، ما يعزز مخيلتهم المهنية ويدفعهم للتفكير في حلول رقمية تخدم الإنسان والبيئة والاقتصاد. بيئة حاضنة ومع تنامي دور الجهات الوطنية المتخصصة في البيانات والذكاء الاصطناعي، وتكاملها مع الجامعات، تتشكل ثقافة جديدة تقوم على اتخاذ القرار المبني على المعرفة، وتعظيم الاستفادة من البيانات، وتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات ذات أثر ملموس، ولا يقل الجانب الأخلاقي أهمية عن الجانب التقني في هذا التحول، إذ تمثل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في حماية قيمة التعليم، وضمان نزاهة البحث العلمي، وصون خصوصية الأفراد، ومن هنا تبرز أهمية بناء وعي طلابي يوازن بين الاستفادة من هذه الأدوات والالتزام بالمسؤولية المهنية، بما يعزز الثقة في مخرجات التعليم ويرسّخ قيمة الشهادة الجامعية، ومع استمرار هذا الزخم، تتقدم المملكة بوصفها بيئة حاضنة للفرص، تستثمر في العقول، وتراهن على الإنسان بوصفه محور التنمية وأساس الاستدامة، فيأتي جيل جديد من الشباب أكثر وعيًا بأدوات العصر، وأكثر قدرة على المنافسة والإبداع وصناعة القيمة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل في الفضاءين الإقليمي والعالمي، جيل يدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الإنسان، بل شريكًا ذكيًا يعزّز قدراته، ويفتح أمامه آفاقًا أوسع للمستقبل. التعرف على أحدث ابتكارات الذكاء الاصطناعي يبني سيرة ذاتية قوية د.رامي بن محمد