الرفض الواسع لإيقاف التخصصات الإنسانية مفهوم، لأن الإنسانيات ليست مجرد مواد دراسية، بل هي البنية التي تتشكل حولها الهوية الثقافية، وهي التي تمنح المجتمع قدرته على التفكير النقدي، وعلى طرح الأسئلة، وعلى قراءة العالم من زوايا متعددة.. لم يكن الجدل الدائر حول قرار جامعة الملك سعود بإيقاف عدد من التخصصات الإنسانية مجرد نقاش أكاديمي عابر، بل بدا وكأنه سؤال أعمق عن شكل المجتمع الذي نريد أن نبنيه، وعن موقع الإنسانيات في مشروعنا التنموي والثقافي. فالقرار، منذ لحظته الأولى، أعاد إلى الواجهة علاقة التعليم بالهوية، ودور الجامعة في صياغة الوعي، وحدود التوازن بين العلوم البحتة من جهة، والعلوم الإنسانية التي تمنح المجتمع لغته وفلسفته ورؤيته من جهة أخرى. هذا الجدل لم ينشأ من فراغ؛ فالتخصصات الإنسانية كانت دائمًا الركيزة التي تُبنى عليها الأفكار الكبرى، وهي التي تمنح التقنية معناها، والاقتصاد روحه، والمجتمع قدرته على قراءة ذاته. لذلك بدا قرار الإيقاف، بالنسبة لكثيرين، خطوة تستحق التوقف عندها، ليس من باب الرفض أو القبول، بل من باب فهم التحول العميق في فلسفة التعليم الذي يعكسه هذا التوجه. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الجامعات تواجه اليوم تحديًا عمليًا حقيقيًا: تكدّس الخريجين في بعض التخصصات الإنسانية التي ما زالت تُدرَّس بأساليب تقليدية لا تخدم الطالب ولا المجتمع، ولا تتماشى مع سوق العمل أو مع التحولات الرقمية. هذا الواقع لا يقل أهمية عن النقاش الفكري، بل يفرض على الجامعات مسؤولية إعادة النظر في مناهجها، لا من باب الإلغاء، بل من باب التطوير الجذري. فالرفض الواسع لإيقاف التخصصات الإنسانية مفهوم، لأن الإنسانيات ليست مجرد مواد دراسية، بل هي البنية التي تتشكل حولها الهوية الثقافية، وهي التي تمنح المجتمع قدرته على التفكير النقدي، وعلى طرح الأسئلة، وعلى قراءة العالم من زوايا متعددة. لكن في المقابل، من غير المنطقي الدفاع عن مناهج إنسانية تُدرَّس بالطريقة نفسها منذ عقود، بينما تغيّر العالم من حولها جذريًا. شخصيًا، أرى أن الحل لا يكمن في إلغاء التخصصات، بل في تحديث مناهج الإنسانيات وربطها بالواقع الرقمي والاقتصادي والاجتماعي. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى خريج يحفظ النصوص، بل إلى خريج يفهم الإنسان، ويحلل البيانات، ويقرأ الظواهر، ويستخدم أدوات العصر. وهذا التحديث هو ما يجعل الإنسانيات جزءًا من المستقبل، لا امتدادًا للماضي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا قررت جامعة الملك سعود، وهي مؤسسة رائدة تاريخيًا في هذه المجالات، اتخاذ هذه الخطوة؟ قد يكون الاعتقاد السائد بأن العلوم والتقنية هي المحرك الأول للاقتصاد، وأنها الطريق الأسرع لخلق فرص العمل، أحد الأسباب. وهذا الاعتقاد، رغم وجاهته، يبقى غير مكتمل. فكل تقنية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى فكر يوجّهها، وإلى رؤية إنسانية تمنحها معناها، وإلى قيم تضبط استخدامها. التقنية بلا فكر تتحول إلى أداة محايدة، وربما خطرة. أما التقنية التي تقف خلفها فلسفة واضحة، فهي التي تصنع الفرق وتبني المستقبل. ولهذا السبب تحديدًا، تتربع التخصصات الإنسانية على قمة الهرم التعليمي في كثير من الجامعات المرموقة حول العالم. فهذه الجامعات لا تُبقي الإنسانيات لأنها "تراث"، بل لأنها تطوّرها باستمرار، وتربطها بالاقتصاد الإبداعي، وبالذكاء الاصطناعي، وبالتحليل الثقافي، وبصناعة المحتوى، وبالدبلوماسية، وبالإعلام، وبالقطاعات التي تحتاج إلى فهم الإنسان قبل فهم الأداة. ولعل أفضل مثال على التخصصات التي تقف في المنتصف بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانية هو العمارة. فالعمارة ليست مجرد حسابات هندسية أو مواد بناء. العمارة، في جوهرها، هي علاقة الإنسان بالمكان، وهي ذاكرة وهوية وفلسفة. لا يمكن فهم العمارة أو حتى منحها معنى دون الغوص في أبعادها الإنسانية. فالمبنى ليس مجرد كتلة خرسانية، بل هو قصة تُروى، وتجربة تُعاش، ورؤية تُجسّد. وهذا ينطبق على كثير من التخصصات العلمية التي تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها في عمقها تعتمد على الإنسان أولًا. إن النقاش حول الإنسانيات ليس نقاشًا حول تخصصات جامعية، بل هو نقاش حول نوع المجتمع الذي نريد أن نكونه. هل نريد مجتمعًا تقوده التقنية وحدها؟ أم مجتمعًا تقوده الأفكار التي تمنح التقنية معناها؟ هل نريد خريجين يجيدون استخدام الأدوات؟ أم خريجين قادرين على طرح الأسئلة وصناعة الرؤية؟ المستقبل، كما تُظهر تجارب الدول المتقدمة، لا يقوم على الفصل بين الإنسانيات والعلوم، بل على التكامل بينهما. لكن هذا التكامل لا يتحقق إلا عندما تُحدّث الإنسانيات نفسها، وتخرج من قاعات المحاضرات التقليدية إلى فضاءات الواقع الرقمي، وتصبح جزءًا من الاقتصاد الجديد، لا مجرد امتداد للماضي. إن إعادة النظر في مكانة الإنسانيات ليست خطوة إلى الوراء، بل خطوة إلى الأمام. فالمجتمع الذي يفهم ذاته، ويقرأ تاريخه، ويطرح أسئلته، هو المجتمع القادر على بناء مستقبل متوازن، لا مستقبلًا أحادي البعد. والجامعة التي تمنح الطالب فرصة أن يتعلم كيف يفكر، قبل أن يتعلم ماذا يفعل، هي الجامعة التي تصنع قادة، لا موظفين. في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون لإعادة تعريف التعليم بوصفه مشروعًا لبناء الإنسان، لا مجرد وسيلة لبناء الوظيفة؟ وهل ندرك أن الإنسانيات ليست عبئًا على الاقتصاد، بل هي الشرط الأول لاقتصاد مستدام يقوم على الإبداع والابتكار وصناعة المعنى، شرطًا لا يتحقق إلا إذا تطورت مناهجها، وتجددت أدواتها، وارتبطت بالواقع الجديد؟ بين الإنسانيات والعلوم، لا يوجد صراع، بل يوجد جسر. ومن يعبر هذا الجسر هو من يصنع الحضارة ويكون قادرا على المحافظة على بنية هويته الثقافية الوجودية لا أن يتركها كي يشكلها الآخرون.