تتجدد مع مواسم الأمطار أحاديث واهتمام المجتمع، خاصةً أبناء منطقة القصيم عن وادي الرمة تأكيداً لمكانه في الوجدان، فهو لم يعد مجراً مائياً فقط، بل احتفالية وحكاية متجددة يتناقلها ويوثقها الناس بشغف، فمع أولى بشائر الجريان، تتجه الأنظار إلى الوادي، وتُستَحضَر الذاكرة معلوماته ومراحله وتحوّلاته وسنوات جريانه الماضية، فيما تسهم عدسات المهتمين وهواة التصوير في توثيق وتناقل هذه اللحظات الاستثنائية، عبر المنصات الرقمية من مشاهد لجريانه، والتنزه على ضفافه وتفاصيله اليوميه، في مشهد يعكس عمق ارتباط المجتمع بالوادي، وحرصه على رصد مراحله وتفاصيله وملامحه وتخليدها، فوادي الرُّمة يعد من أهم الأودية وأحد المعالم الجغرافية التي تُجسّد أودية المملكة وأحد المعالم الطبيعية الفريدة في منطقة القصيم. وأكد تركي بن إبراهيم القهيدان -باحث في الآثار والجغرافيا- على أن وادي الرمة يُعد من أطول أودية شبه الجزيرة العربية، إذ يبدأ من الرأس الأبيض ومرتفعات حرة خيبر شمال المدينةالمنورة بميل نحو الشرق، حيث تتجمع روافده من المرتفعات الغربية، قبل أن يتجه شرقًا لمنطقة حائل ثم لمنطقة القصيم ماراً بعدد من محافظاتها ومراكزها. وأوضح أن طول الوادي يصل لحوالي 530 كيلومتراً، مما يجعله من أبرز المجاري المائية الموسمية في المملكة، مبينًا أن مساره كان قبل أكثر من سبعة آلاف سنة يمتد شرقاً حتى ارتباطه بوادي الباطن، والذي كان في العصور المطيرة السابقة يصل إلى العراق، مشيراً إلى أن جريان وادي الرمة يرتبط بهطول الأمطار الغزيرة على منابعه وروافده وأهمها وادي الجرير. وقال: إن الوادي شهد جريانًا في عدد من السنوات، ومن أبرزها عام 1376ه و1402ه 1429، وشهدت عدد من المواسم الحديثة تدفقات مائية أعادت الحياة للوادي وللطبيعة في القصيم مشاهد خضراء، مؤكداً على أن جريان الوادي يُسهم في تغذية الطبقات السطحية بالمياه، وكذلك طبقة الساق، مع أنها بنسب قليلة، إلاّ أن المزارع شمال هذا الوادي كمنطقة الخبوب وما حولها يلحظون ذلك، ذاكراً أن الوادي يسهم بإنعاش الغطاء النباتي، ويدعم التنوع البيئي، ويُشكل عنصر جذب مهمًا للمتنزهين، خاصةً في ظل ما تشهده القصيم من اهتمام متزايد بالسياحة البيئية. من جهته أوضح د. عبدالرحمن بن عبدالله الصقير -رئيس فريق تطوير وتأهيل وادي الرمة- أن وادي الرمة يعد من أهم الظواهر الجيوموفولوجية والمعالم البيئية في المملكة، كما يعتبر أكبر وأطول أودية الجزيرة العربية، ويتميز بالعديد من الخصائص البيئية والطبوغرافية والهيدرولوجية والجيولوجية، ويقع معظم الوادي وروافده في منطقة القصيم، حيث يؤثر بشكل كبير في جغرافية المنطقة، ما يعزز فرص تطوير وتأهيل الوادي وروافده والاستفادة منه في تنمية الغطاء النباتي الطبيعي والتنوع الأحيائي بشكل عام، والسياحة البيئية. وثمن د.الصقير دعم واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل أمير منطقة القصيم، بتطوير ضفاف وادي الرمة وفق أعلى المعايير البيئية والسياحية، مبيناً أن توجيهات سموه تركز على تحويل الوادي إلى وجهة طبيعية مستدامة تجمع بين المحافظة على مكوناته البيئية وتعزيز الاستفادة منها سياحياً، مع الحرص على إزالة التعديات والإحداثات التي تؤثر على جريان الوادي وانسيابية حركته، وكذلك الحشائش التي تنمو بشكل كثيف مشكلة عوائق طبيعية لجريان الوادي. وأشار إلى أن الفريق يعمل على إعداد تصور شامل يراعي تعزيز وصيانة الغطاء النباتي الطبيعي في الوادي والموارد الطبيعية بشكل عام، وإبراز الفرص الاستثمارية الممكنة لتطوير ضفاف الوادي بما ينسجم مع الهوية البيئية لمنطقة القصيم، مضيفاً أن هذا التصور يستهدف إيجاد نموذج وطني رائد في تطوير الأودية، من خلال تكامل الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما يسهم في تعزيز جودة الحياة، وتعزيز السياحة البيئية والتنمية الريفية، واستثمار المقومات الطبيعية التي يتميز بها وادي الرمة، ليكون أحد أبرز الوجهات البيئية والسياحية في المملكة، منوهاً بدور وجهود جميع الجهات ذات العلاقة في المنطقة بما يحقق مستهدفات تطوير وتأهيل الوادي. جريان الوادي د. عبدالرحمن الصقير تركي القهيدان