لماذا قد يدفع المشاهد مبلغاً باهظاً مقابل تذكرة سينما، بينما يمتلك القدرة على مشاهدة مئات الأفلام في منزله وبسعر أقل بكثير؟، هذا السؤال البسيط هو ما يؤرق صناع السينما اليوم؛ فالمسألة لم تعد تتعلق بسعر التذكرة فحسب، بل ببحث المشاهد عن القيمة الحقيقية مقابل ما يدفعه من مال وجهد. وعند النظر إلى إيرادات السينما عالمياً، نجد أننا أمام «تعافٍ وهمي»؛ فالأرقام تبدو جيدة ظاهرياً نتيجة ارتفاع أسعار التذاكر، لكن الحقيقة الصادمة هي أن عدد المقاعد المحجوزة في تناقص مستمر، ويتضح ذلك جلياً عند المقارنة ببيانات عام 2019 (قبل الجائحة)، حيث تشير أرقام «Box Office Mojo» إلى أن الإيرادات التقريبية بلغت ذروتها عند «42.5» مليار دولار، قبل أن يحدث هبوط حاد بنسبة تتجاوز «50 %» في عام «2021» لتستقر عند «21.3» مليار دولار. وبحسب تقارير «Gower Street Analytics»، لا تزال هناك فجوة مستمرة بنحو «20 %» مقارنة بسنوات ما قبل الجائحة، مع توقعات ببقاء الانخفاض قريباً من هذه النسب للسنوات التالية. في الماضي، كان الفيلم يربح إذا حقق ضعف ميزانيته، أما اليوم، وبسبب اقتطاع الصالات لنصف الدخل وارتفاع تكاليف الدعاية الضخمة، أصبح الفيلم الذي يكلف «200» مليون دولار بمثابة مغامرة غير محسوبة. هذا الضغط المالي جعل الأفلام تفقد روحها وتتحول إلى مجرد نسخ مكررة خوفاً من الخسارة. ولكي يترك الناس أرائكهم المريحة، يجب أن تتوقف السينما عن كونها مجرد شاشة عرض وتتحول إلى تجربة حياة متكاملة؛ وذلك من خلال اعتماد تذاكر مرنة، فلا يعقل أن يتساوى سعر تذكرة ذروة يوم الجمعة مع صباح يوم الثلاثاء، بل نحتاج لتسعير ذكي يشجع الناس على الحضور في الأوقات الهادئة. كما يجب تفعيل عضويات المشاهد التي تسمح باشتراكات شهرية تضمن ولاء الجمهور وتدفق الدخل، مع ضرورة احترام نافذة الحصرية؛ فالمشاهد لن يذهب للسينما إذا عرف أن الفيلم سيتوفر على هاتفه بعد أسبوعين، بل يجب أن تعود للسينما هيبتها. علاوة على ذلك، يجب أن تقدم الصالات ما لا يملكه المنزل؛ من تقنيات صوت مبهرة، ومقاعد تفاعلية، وخدمات تجعل من الخروج للسينما نزهة متكاملة. إن السينما اليوم تعاني من أزمة هوية؛ فهي تحاول أن تكون نخبوية في أسعارها، بينما هي في الأصل ترفيه شعبي للجميع. وإذا أرادت السينما البقاء، فعليها أن تختار إما أن تكون تجربة فاخرة تستحق ثمنها، أو تعود بسيطة وقريبة من جيوب الناس كما بدأت.