اضطجعت على جنبي الأيمن أستعد للدخول في عالم الأحلام لأنهي ليلتي وأنا سعيد بما حققته من خلالها، فإذا بي أسمع صوت الرعد فقلت لن أفوّت صوته الجميل ورؤية السحاب وأيضاً لأستمتع بالمطر وصوته. خرجت إلى الباب المطل على الشارع الرئيس لأتأمّل سكون الليل وأستمتع بذلك الهواء الذي يحمل بشرى المطر، هي لحظات وكان وميض البرق فتبادر إلى ذهني في نفس اللحظة أغنية "لمحت البرق". الأغنية كانت للفنان الراحل والصديق حمد الطيّار "أبي ناصر" رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنّاته لا أعرف لماذا تبادرت إلى ذهني على الرغم من أنها لا تتحدث عن البرق والمطر كظاهرة طبيعية، ولكنها مساحة هادئة من الذاكرة الغنائية الجميلة والتي لا يمكن تجاوزها في تاريخ الطيّار وتاريخ الأغنية الشعبية السعودية، فهذه الأغنية تقف بوصفها نموذجاً راقياً لما يمكن أن تصنعه البساطة في ذلك الوقت الخالي من الإمكانات الموجودة في وقتنا الحالي حين تتكئ على الصدق. في رأيي العمل ليس صاخبًا ولا يبحث عن الدهشة عبر التعقيد، بل أرى أن العمل لحظة عاطفية سريعة تشبه تمامًا البرق. كتب محمد العثيم نصًا يعتمد على كلمات قليلة وصورة جمالية في عموم القصيدة لذلك يلاحظ القارئ أن الشاعر لم يطل الكلام والسرد (الحشو) بل العكس أضفى على القصيدة جمالًا لا يوصف يصل إلى المعنى مباشرةً وهو أحد الأسباب التي جعلت القصيدة خالدة حتى اليوم بل كأنها كتبت الآن. أما اللحن الذي صاغه الطيّار نفسه فلا توجد قفزات لحنية حادة ولا استعراضات صوتية بل صاغه كبناء تدريجي هادئ يتصاعد دون أن يعلو صوته، هذا التدرّج أعطى الأغنية سكونًا شجيًا. أسس الأغنية لحظة إحساس لا صخب. الملحّن يدرك أن المشاعر لا تُقال بصوت مرتفع فالمشاعر تُهمس أحيانًا. أرى أن حمد الطيّار يمتلك جاذبية خاصة في الغناء لا يملكها أحد، لذلك يظهر في هذه الأغنية بصوته غير المتكلّف يبعث على الصدق في الكلمة واللحن. لذلك تجد بأن العمل يمنح خصوصية تجعل من يسمعه يعيش حالة عاشها الطيّار أو كاد يمرّ بها. وأكثر ما يميّز هذه الأغنية هي سياقها الأوسع وابتعادها عن التشكيل الدرامي المفرط والذي يطغى على كثير من الأغاني. فالأغنية ككلمة ولحن وغناء كأنها تخلق حالة من الواقع الذي يعيشه كل من شعورك ووجدانك وتدخل بهدوء إلى داخلك. في النهاية لا نقيس الأغنية بدقائقها أو بصعوبة اللحن والتحويلات بل نقيسها بأن ترافقنا لسنوات وسنوات وتعيش معنا وتتخلّد في وجداننا فنستعيدها مرّات ومرّات، فهذه الأغنية كانت كافية لتغيير شعور كامل في لحظة بل وفتحت كتاب الذكريات الذي اعتقدنا بأننا وضعناه على الرف. الخلاصة: رجاءً لا نحتاج إلى أصوات أخرى لتذكّرنا بحمد الطيار، فصوته وإحساسه الأفضل وسيستمر إلى الأبد. محمد السعدي