السيرة -ذاتيةً كانت أم غيرية- هي كتابة فنيّة ذات أنواع، فقد تتفرع إلى فروع مختلفة حسب مجالات كتّابها، ومن ثم فإننا أمام أجناس أدبية فرعية على حد وصف (ميخائيل باختين) في حديثه عن الأجناس الروائية الفرعية: الأطروحة، والبوليسية، والتاريخية، والتربوية، والرعوية، والسوداء، والفلسفية..، وغيرها، وهكذا في ميدان السيرة فإن لدينا أنواعاً كثيرة منها، ربما لم يُتفطّن لها بعد، أو لم يتوقف عندها أحد من المهتمين، والنقاد، مع كثرة المشتغلين في مجال السيرة الذاتية. وكنا أشرنا في مقالٍ مضى، إلى أن هناك ملامحاً من أنواع السيرة لم يُنتبه لها، ك(السيرة العائلية)، التي يكتبها بعضهم عن عائلته، أو عن أحدٍ من أفراد عائلته بشكل مخصوص. وها نحن اليوم نتوقف عند لون آخر من ألوان الكتابة السيرية، وهو (السيرة المعمارية)، وذلك أنه لفت انتباهي كتابُ اطلّعتُ عليه في اللغة الإنجليزية، ونُشِر في عام (2023م)، وكان عنوانه (ethos: biographical essays, 2015-2023)، وهو مجموعة نصوص تشكّل في مجملها سيرة ذاتية، من تأليف المهندس المعماري (هوات ليم Huat Lim)، الذي عُرِف بتصميماته المبتكرة في ماليزيا. وهذا الكتاب في بعض مقالاته الذاتية، مذكراتٍ شخصية كتبها (هوات ليم) حول مسيرته المهنية في الهندسة المعمارية، ومدى تأثره بالفنون، والأدب، والفلسفة، وما واجهه من ذكريات، ومواقف، وأحداث، مع عرضه لبعض الصور (الفوتغرافية) التي تستوحي تاريخ الإنسان، والمكان، وتسجّل تاريخ البناء، والتصميم أيضاً. وقد رأيتُ في هذا الكتاب سيرة معمارية (Architectural CV) تفاعلية، مليئة بالصور التي تعكس مهارات المهندس المعماري الإبداعية، وما لديه من خبرات عملية، ومشروعات متنوعة، وفنيّات متعددة. من هنا يمكن القول: إن السيرة المعمارية قد تصح أن تكون شكلاً كتابيّاً من فنون السيرة، إذا توجّهت نحو تاريخ العمارة، ونشأة المباني، وتطوّر المساكن، ورصد خطوات التصميم والتنفيذ، وما يتبع تلك الخطوات من عقبات وصعوبات، ولا سيما إذا مُزجت بالكتابة الإبداعية، عندئذ نكون أمام سيرة معمارية فريدة؛ لأنها مفعمة بالحيوية، والنشاط، وتكشف عن رسم الأهداف، وطرق الإنجاز. ويدخل هذا النوع من الكتابة في مجال (سيرة الأشياء)، وهي السير الصامتة التي يستنطقها الإنسان، ويتحدث عنها، وكأنها سيرة غيرية، ولكن ليست لإنسان آخر، بل لجماد من الجمادات، قد يكون بناءً، وقد يكون غيره، وربما كان هذا الاستنطاق لكائن آخر كالنبات، أو الحيوان، أو ما شابه ذلك. وقد تكون السيرة ليست للبناء وحده، أو تفاصيل إنشائه، وإنما تنبع من مؤلف ذي تخصص في هذا المجال، بمعنى أن يكتبها المعماريون فحسب، على نحو ما صنع (هوات ليم) في كتابه الذي ذكرنا، حيث يقول فيه مثلاً: "حسبما أتذكّر كان (نيكولاس كرانزل) الشخص الأكثر تأثيراً على تعليمي المعماري، لقد درسني آخر مشروعين رئيسين للتصميم، وكان أيضاً مرشدي وصديقي المقرب"، ويقول في موضع آخر: "لدي ذكريات جميلة عن أيام دراستي في الجمعية المعمارية في لندن.."، ويقول أيضاً: "كان (بيتر هوك) أول معلم لي في سنتي الثالثة في جمعية المهندسين المعماريين عام 1983م.."، ويقول: "الهندسة المعمارية هي مصدر إلهامي الأول، بدأت رحلتي في عام 1963م، لم أكن أعرف سوى القليل عن الهندسة المعمارية..". ولستُ أدري إن كانت لدينا اليوم سير معمارية (ذاتية أو غيرية)، يكتبها المعماريون، أو المهندسون، أو المصمّمون، فالمتخصصون في هذا الفن مهيّؤون لإبداع سيرهم، سواء أكانت مكتوبة، أم مرسومة في صور فنية، على نحو ما فعل المعماريان العراقيان: محمد مكية (2015م)، وزها حديد (2016م).