قد نجدّ في طلب شروح بعض القصائد العربيّة في الزمن الجاهلي وبداية الإسلام؛ غير أننا لا نشفي حاجتنا من فهم أعمق وأدقّ لمقاصدها ومعانيها! وهذا ما حصل حينما تتدبّر قصيدة «كعب بن زهير» بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي «بانت سعاد». وكيف ذكر بعضهم أن البدء بمقدمة غزلية عادة جاهليّة، وربما استأنس بعضهم -لرد المعارضين- بأثر قد لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه، وهو النهي عن مدحهِ بشعر لا يُصدّر بمقدمة غزليّة. إلا أنّ المتدبّر لمعاني هذه القصيدة تحديداً يجد أن توظيف مطلعها الغزليّ ما هو إلا توظيف تمثيليّ موطئٌ لقصدها الأساسيّ، يمثّل الشاعر حالته الوجدانيّة المتضررة اليائسة أبرع تمثيل لغرضه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو «العفو»، في لفتة مدح عبقريّة، بين وصف تمثيلي لسعاد وإخلافها وعدها واليأس منها، وهذا أشد حالات القدح الخُلقيّ «الإخلاف بالوعد»، ونقيضه الأبلغ في المدح وهو «الإخلاف بالوعيد»، فعند العرب المنقبة الوفاء بالوعد والإخلاف بالوعيد. وكما يروى عن أعرابيّ استنكر إيجاب المعتزلة لإنفاذ الوعيد الإلهيّ، قائلاً: «الكريم إذا وعد وفّى، وإذا أوعد عفى». فإخلاف الوعيد بالعقاب وما يسوء؛ من مكارم الأخلاق، وسمات العظماء. وقد أكّد د. محمد أبو موسى هذا المعنى، قائلاً: «لو حوّرنا هذه الأبيات قليلاً، وخلعنا منها سعاد، ونظرنا إليها من جهة بيانها عن حال من أحوال التعلّق الشديد، والتوق المتوقد، من غير أن ننظر إلى المتعلق به، أو المتوق إليه، لصارت متضمنة الإشارة إلى حال كعب، وتعلقه بعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناشدته له صلوات الله وسلامه عليه، والذي صرف الشعر عن الإشارة الظاهرة إلى هذا هو ذكر سعاد التي تقنَّعت بها هذه الإشارة، وللشعراء تمويهات، وخُدَع، وأستار، حتى تكون أغراضهم من دونها سِتر، وكأنهم يعابثون العقول، والنفوس، ويلعبون بها....». فالنظر إلى بلاغة قصد القصيدة يخرج لا من طرق شرح القصائد بالتحليل، أو رؤيتها بالظاهر، بل بذكاء إشاري يلقي المقاصد بين يدي المتلقي، فتستحيل القصيدة لحالٍ يستبعد الكلام العام الذي درجوا عليه، نحو: «عادة البدء بمقدمة غزلية في المدائح النبويّة ثم الإضراب للمدح مباشرة». دون ذكر ما نوع الكلمات والمعاني المستخدمة في هذه المقدمة، ولماذا ذكر الشاعر هذه الحالة الوجدانية وبعض الألفاظ دون غيرها؟ ففي قصيدة «بانت سعاد»؛ لماذا اختار «إخلاف الوعد» وذمّ صاحبه، وحالة من وقع في هذا الحال الصعب من يأس شديد؛ لسوء خِلال سعاد، التي سيط دمها من الفجع والولع والإخلاف والتبديل، مقابل الحالة الرهيبة من الوعيد، ولكن لأنّه صادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي حاز المكارم كلها، وأنفسها، فهو «على خلق عظيم»؛ فلا يأس من عفوه مهما أجرم الفاعل في حقّه صلى الله عليه وسلم، لأنه مزكّى من ربّ العالمين بأعظم الخصال والخِلال، وكيف أدخل «إخلاف الوعيد» السلام، والانتقال من حالٍ إلى حال أعظم وأسعد، وهو «العفو»، وبلاغة مدح النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المنفذ، عند التأمل في حالة تمثيل وتقنيع سعاد بهذه الحالة الوجدانية بين يدي الغرض الأصلي من القصيدة، مقارنة بين حالين، وحقيقة ذاتين، وأوصافهما وأفعالهما. والعدول عن المعنى الظاهر إلى معنى خفي خطأ في العرف البلاغي، لأنه لا يدخل في أبواب العُرف البلاغي، وإنما يحوم حولها من بعيد، وهو ما سمّاه أبو موسى «باب معنى المعنى أي المعاني التي وراء المعاني، ولا ضير أن تكون وراءها بمسافة أبعد أو أن تكون في باب مستتبعات التراكيب، وهو باب جليل غيَّبه غبار العجمة». وغبار العجمة يغيّب لأنه يطلب المعاني الظاهرة، والمستوى البياني، إذ هو مفتاح الدخول لعالم اللغة الجديدة عند من يتعلّمها، لكن نسيان أن المستوى البياني كان لإحكام بنيان البيان لا إظهار مقاصد الإبانة والقول؛ هو الذي يجعل بيننا وبين ما وراء معاني البياني الظاهرة حجاباً من «غبار العجمة» كثّفته الأزمنة. وعُد الآن لقراءة قصيدة «بانت سعاد» باستحضار ما وراء المعاني الظاهرة؟ وستجد من عبقرية الشاعر في المديح ما لا تجده عند الاكتفاء بالظواهر.