كعب بن زهير، الصحابي الجليل والشاعر المجيد، والأديب المخضرم، الذي جعل من الأدب بابا لدخوله الإسلام، فعمد إلى شرح حاله وخوفه من ماضيه ورجائه وأمله بسماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة لامية كان مطلعها يشكو بينونة محبوبته، واستيلاء الوجد على قلبه، وهي حالة خارجة عن أصل ما هو فيه من هم وغم، ولكن حين تجتمع مشتتات الفكر والقلب يكون المبدع والأديب في أوج صدقه.. قبل الشروع في الموضوع نحتاج أن نتصور حالة رجلٍ قد ضاقت به الدنيا، ورفضت القبائل إيواءه وإخفاءَه، وقد علم أن جرمه كبير، فقد كان رأسا في الإعلام المعادي، ظنًا منه أن النصر سيكون حليفه، إضافة لما يسمع به من تخويف من مصير كثير ممن هم أقل منه عداوة لمن بعثه الله بشيرا ونذيرا للعالمين صلى الله عليه وسلم، ذلك الرجل الخائف هو كعب بن زهير، الصحابي الجليل والشاعر المجيد، والأديب المخضرم، الذي جعل من الأدب بابا لدخوله الإسلام، فعمد إلى شرح حاله وخوفه من ماضيه ورجائه وأمله بسماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصيدة لامية كان مطلعها يشكو بينونة محبوبته، واستيلاء الوجد على قلبه، وهي حالة خارجة عن أصل ما هو فيه من هم وغم، ولكن حين تجتمع مشتتات الفكر والقلب يكون المبدع والأديب في أوج صدقه ليخرج عن زمرة (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ) فأنشأ: بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفَدْ مَكْبولُ وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبِرَةً لا يُشْتَكى قِصَرٌ مِنها ولا طُولُ تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ كأنَّهُ مُنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ إلى آخر ما قال من تغزل في مطلع اعتذاره لرسول الله صلى الله عليه وسلم من سالف ما قدم إلى أن قال: تَسْعَى الوُشاةُ جَنابَيْها وقَوْلُهُمُ إنَّك يا ابْنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتولُ وقالَ كُلُّ خَليلٍ كُنْتُ آمُلُهُ لا أُلْهِيَنَّكَ إنِّي عَنْكَ مَشْغولُ فَقُلْتُ خَلُّوا سَبيلِي لاَ أبالَكُمُ فَكُلُّ ما قَدَّرَ الرَّحْمنُ مَفْعولُ كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ يَوْماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني والعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ وقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِراً والعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبولُ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يسمع تغزل كعبٍ لم يسكته ولم ينهه، لعلمه صلى الله عليه وسلم بنفسيات الشعراء وأدبيات العرب الفصحاء، وإن كان صلى الله عليه وسلم لا يقول الشعر؛ لأنه أعطي ما هو أعظم منه، وسلب صفة الشاعر لكي يبعد عن سوحه ما يصفه به أعداؤه منه، (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ) ولكنه صلى الله عليه وسلم كان سيد الفصحاء، وقدوة الأدباء، ويتضاءل في حضرته الشعراء، حتى قيل إنه حين بلغ كعب ابن زهير رضي الله عنه في اعتذاره قوله: إنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضاءُ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ ألقى النبي صلى الله عليه وسلم بردته عليه، وكانت تلك عادة يفعلها الأكابر حين إعجابهم بما يبدعه المبدعون، فتوارثت تلك البردة أجيال. القصة هذه كما يقول أهل الاختصاص تغني شهرتها عن أسانيدها، وفي تدريب الراوي "قال بعضهم: يحكم للحديث بالصحة إذا تلقاه الناس بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح." ولعل هذه منها، وهي أدبية تبين ما للشعر وهو من أدب العرب ومن عمق الثقافة الإسلامية من أهمية في توظيفه في مواطن عظيمة، في المدح والهجاء، وحلول المعضلات، والعفو واستخراج الحقوق والتوصل للمراد بأيسر التفعيلات والقوافي والعبارات، كما ترى في جعل كعب ابن زهير رضي الله عنه قصيدته بابًا لدخوله وقبوله في الإسلام وعفو رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ليستأنف حياة إسلامية جديدة مليئة بالأدب والعبادات والأخلاقيات القائمة على المحبة والعدل والسماحة. هذا، والله من وراء القصد.