يكاد لا يذكر خبر أو معلومة أو مادة إعلامية إلا أن تجد بين طياتها عبارة "60 % لكذا وكذا" وكأنها ختم جودة يمنح المحتوى مصداقية فورية؛ فتُقدَّم بوصفها نتيجة دراسات أو مؤشرات دقيقة، بينما في كثير من الحالات لا يكون لها أصل واضح أو مصدر موثوق، هذه الظاهرة لم تعد مجرد أسلوب بل أصبحت سلوكًا مهنيًا مقلقًا، يعكس محاولة لإضفاء طابع علمي على محتوى قد لا يستند إلى أي أساس بحثي حقيقي. فعندما يُقال إن "60 % من الجمهور يفضلون كذا"، فإن المتلقي يميل تلقائيًا إلى تصديق المعلومة، لأن الرقم قريب من النصف وسهل القبول ويحقق الهدف بتوضيح رأي الأغلبية. لكن حين تتحول هذه النسبة إلى رقم متكرر يُستخدم في سياقات مختلفة دون توثيق، فإنها تفقد معناها الحقيقي وتتحول إلى أداة تضليل ناعمة. الأخطر أن هذا الاستخدام لا يكون دائمًا بنية الخداع المباشر، بل أحيانًا بدافع تحسين شكل المحتوى وإظهاره بمظهر احترافي، وكأن وجود رقم كفيل برفع قيمة المادة الإعلامية. هذا النمط يعكس خللًا أعمق في فهم الممارسة الإعلامية، حيث يتم استبدال العمق بالمظهر، والتحقق بالإيحاء. فبدل أن يسعى الإعلامي إلى بناء محتوى قائم على مصادر موثوقة وتحليل دقيق، يلجأ إلى رقم جاهز يمنح انطباعًا سريعًا بالاحتراف، ومع تكرار هذا السلوك، تتشكل لدى الجمهور حالة من "التطبيع" مع الأرقام غير الموثقة، فيصبح من الصعب التمييز بين الإحصائية الحقيقية والمصطنعة. الأثر هنا لا يقف عند حدود المعلومة، بل يمتد إلى منظومة القيم والأخلاق. فالإعلام، في جوهره، ليس مجرد نقل خبر، بل مسؤولية أخلاقية قائمة على الصدق والأمانة، وعندما يتحول الرقم إلى وسيلة تزيين بدلاً من كونه أداة معرفة، فإن ذلك يعني تراجعًا في الالتزام بهذه القيم. فالإحصائية غير الدقيقة لا تضلل فقط، بل تضعف الثقة، وتخلق فجوة بين الإعلام والجمهور، وقد أظهرت دراسات أن انتشار المعلومات المضللة يسهم بشكل مباشر في انعدام الثقة بالمؤسسات الإعلامية، وهو ما يجعل أي تجاوز في هذا الجانب يتجاوز كونه خطأ فرديًا إلى كونه تهديدًا للمنظومة الإعلامية ككل. وفي ظل تصاعد تأثير الإعلام الرقمي، أصبحت هذه الظاهرة أكثر انتشارًا، خاصة مع سهولة النشر وغياب التحقق الفوري، بالإضافة إلى عدد كبير من صناع المحتوى لا يقومون بالتحقق الكافي من المعلومات قبل نشرها، وهو ما يفتح المجال لاستخدام أرقام ونسب وهمية دون مساءلة حقيقية، مما يعزز من انتشار ثقافة "الإحصائية السريعة"، التي تُبنى على الانطباع لا على البحث، وعلى الرغبة في التأثير لا على الالتزام بالحقيقة. في إعلامنا الوطني، تبدو هذه القضية أكثر حساسية، نظرًا لما تقوم عليه المنظومة الإعلامية من قيم راسخة مستمدة من مبادئ الصدق والمسؤولية، فالإعلام في المملكة جزء من مشروع وطني يسعى إلى بناء وعي مستنير، وتعزيز ثقة المجتمع، ودعم مسيرة تنموية قائمة على الشفافية. ومن هنا، فإن استخدام رقم غير موثوق، حتى وإن بدا بسيطًا، يتعارض مع هذه القيم، ويضعف من الدور الإيجابي الذي يُفترض أن يقوم به الإعلام. ختاما، في زمن تتسارع فيه المعلومات، تبقى المصداقية هي العملة الأهم، ويبقى الرقم الصادق هو الاختبار الحقيقي لأي محتوى إعلامي. فالتحدي اليوم لا يتمثل في غياب البيانات، بل في كيفية التعامل معها. فالإعلامي المحترف لا يبحث عن رقم يملأ به فراغ النص، بل عن حقيقة يدعمها برقم دقيق وموثق، وبين استخدام "60 %" كأداة تجميل، واستخدام الإحصاءات كوسيلة فهم، تتحدد الفروق الحقيقية بين إعلام يصنع الوعي، وآخر يكتفي بصناعته شكليًا.