في الأفق، تتضح ملامح أكثر تعقيدًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، واتساع استخدام تقنيات الواقع الممتد، وتطور طرق تحقيق الإيرادات المعتمدة على البيانات.. في هذا السياق، يتغير موقع الإعلام تدريجيًا، ويأخذ دورًا أوسع في تشكيل الحضور والتأثير.. تتشكل ملامح القوة في العصر الحديث داخل مساحات لا تُرى بالعين المجردة؛ حيث تتحول الحكاية إلى أصل اقتصادي، وتغدو الصورة أداة نفوذ، ويتحول المحتوى إلى بنية تحتية موازية للاقتصاد التقليدي. في هذا السياق، ينهض الإعلام السعودي بوصفه أحد أكثر القطاعات ديناميكية في إعادة صياغة موقع المملكة داخل الاقتصاد الإبداعي العالمي، كما يكشف تقرير حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025 الذي أصدرته الهيئة العامة لتنظيم الإعلام في المنتدى السعودي للإعلام 2026، والذي يلتقط لحظة انتقال كثيفة بين الممكن والواقع. داخل هذا المشهد، تتصاعد المؤشرات الرقمية بوصفها لغة التحول الأكثر صدقًا. فمساهمة القطاع التي بلغت 16 مليار ريال في عام 2024، مرشحة للارتفاع إلى 47 مليار ريال بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يناهز 20 %، بينما يُتوقع أن يصل حجم السوق إلى 41 مليار ريال خلال الفترة ذاتها. هذه الأرقام لا تقف عند حدود التوسع الكمي، بل تعكس انتقال الإعلام من هامش الاقتصاد إلى قلبه، ومن وظيفة خدمية إلى صناعة قادرة على توليد القيمة عبر امتدادات متعددة تشمل الإنتاج، والتوزيع، والتقنيات، وسلاسل الإمداد الإبداعي. في العمق، يتحرك هذا التحول على قاعدة ديموغرافية استثنائية؛ حيث يشكل الشباب دون الخامسة والثلاثين نحو 71 % من السكان، بمتوسط عمر يبلغ 26.6 عامًا. هذا المعطى لا يُقرأ باعتباره رقمًا سكانيًا فحسب، بل كطاقة ثقافية تعيد تشكيل أنماط الاستهلاك، وتفرض على السوق إنتاج محتوى أكثر التصاقًا بالهوية، وأكثر قدرة على الانتشار عالميًا. هنا تتداخل الرغبة في التعبير مع منطق السوق، فتولد سرديات جديدة تحمل ملامح محلية بروح تنافسية عابرة للحدود. وعلى مستوى البنية الإعلامية، يتقدم التحول الرقمي بوتيرة متسارعة، مدفوعًا بنماذج قائمة على البيانات وتحليل السلوك. تشير التوقعات إلى استحواذ القنوات الرقمية على ما يقارب 90 % من إجمالي الإنفاق الإعلاني بحلول 2029، في حين ينمو الإنفاق العالمي على الإعلان بمعدل 6.1 % سنويًا. هذه التحولات تعيد تعريف العلاقة بين المعلن والمتلقي، وتفتح المجال أمام استراتيجيات أكثر دقة في الاستهداف، وأكثر كفاءة في تحقيق العائد، خاصة مع صعود الفيديو القصير ومنصات البث التدفقي. وفي قلب هذا التحول، يبرز قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بوصفه محركًا استثنائيًا للنمو. فالاستراتيجية الوطنية تستهدف خلق نحو 39 ألف وظيفة، وتحقيق مساهمة اقتصادية تتجاوز 50 مليار ريال بحلول 2030، في وقت تشير فيه البيانات العالمية إلى ارتفاع إيرادات الألعاب من 224 مليار دولار في 2024 إلى نحو 300 مليار دولار في 2029. هذا القطاع لا يعكس مجرد تحول ترفيهي، بل يمثل بنية اقتصادية جديدة تتقاطع فيها التقنية مع الثقافة ومع اقتصاد الانتباه. غير أن هذا الصعود المتسارع لا يخلو من مفارقات دقيقة، فبينما تتوسع الاستثمارات، وتزداد التراخيص، ويقفز عدد الشركات الأجنبية من شركتين في 2024 إلى 17 شركة في 2025، تظل فجوات المهارات المتخصصة حاضرة، خصوصًا في مجالات المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، إلى جانب استمرار إنتاج نحو 90 % من المحتوى العربي خارج المملكة. هذه المفارقة تكشف أن المعركة الحقيقية لم تعد في جذب الاستثمار، بل في توطين القيمة، وبناء منظومة إنتاج مكتملة قادرة على الاحتفاظ بالعائد داخل السوق. ويزداد المشهد كثافة مع التوسع في الفعاليات الثقافية والترفيهية، حيث ارتفع عدد الفعاليات الموسيقية الحية ستة أضعاف بين 2022 و2025، واستقطبت الفعاليات الإعلامية آلاف المشاركين، فيما تجاوزت تراخيص الأفلام الجديدة 350 ترخيصًا في عام واحد. هذه الديناميكية تعكس تحول الإعلام إلى منظومة متكاملة تتقاطع مع السياحة والترفيه والتقنية، وتعيد تشكيل الاقتصاد عبر ما يمكن تسميته "اقتصاد التجربة". في الأفق، تتضح ملامح أكثر تعقيدًا، مع دخول الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، واتساع استخدام تقنيات الواقع الممتد، وتطور طرق تحقيق الإيرادات المعتمدة على البيانات. في هذا السياق، يتغير موقع الإعلام تدريجيًا، ويأخذ دورًا أوسع في تشكيل الحضور والتأثير. وعند هذه النقطة، صحيح أن الأرقام لن تكون وحدها كافية لفهم الصورة، ولكن معها ستصبح التفاصيل الصغيرة أكثر دلالة؛ في طبيعة المحتوى، وطريقة تقديمه، وكيف يتفاعل معه الجمهور. وتتشكل الإجابة بهدوء عبر كل تجربة تُبنى، وكل قصة تُروى، في مسار يتغير خطوة بعد أخرى، دون حسم نهائي أو اتجاه واحد واضح.