قبل الدخول في التفاصيل، من المهم تحديد أهداف إدارة الرئيس دونالد ترمب، والتي تمثلت في تفكيك البرنامج النووي الإيراني ووقف فوري لعمليات تخصيب اليورانيوم، والحد من القدرات الصاروخية، وتقليص نفوذ الوكلاء في المنطقة، إلى جانب دعم الداخل الإيراني وتعزيز موقف الشعب. وفي هذا السياق، برز تطور لافت لمسار التهدئة بين واشنطنوطهران، حيث كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن ملامح مقترح أميركي موسّع يتضمن 15 بندًا، وافقت إدارة دونالد ترمب على إدراج 10 منها ضمن إطار التفاوض مع إيران. وبحسب التصريحات، أعلنت طهران استعدادها لفتح مضيق هرمز لمدة أسبوعين، شريطة التنسيق الأمني معها، في خطوة تزامنت مع إعلان الولاياتالمتحدة وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار للفترة ذاتها، ما يعكس بداية حذرة لمسار تفاوضي معقد. المقترح الأميركي: شروط صارمة مقابل انفتاح اقتصادي المقترح الأميركي ركّز بشكل أساسي على تفكيك البنية النووية والعسكرية الإيرانية، حيث تضمّن بنودًا جوهرية أبرزها: تفكيك كامل للبرنامج النووي العسكري، مع تعهد دائم بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، ووقف عمليات تخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما شمل إغلاق المواقع الحساسة مثل نطنز وفوردو وأصفهان، والسماح غير المشروط بعمليات التفتيش الدولية. وفي البعد الإقليمي، طالب المقترح بإنهاء الدعم العسكري والمالي للفصائل المرتبطة بإيران، وضمان أمن الممرات المائية الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إضافة إلى فرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية وحصره في الأغراض الدفاعية. في المقابل، عرضت واشنطن حزمة حوافز تضمنت رفعًا شاملًا للعقوبات الاقتصادية، ودعم برنامج نووي إيراني للأغراض السلمية والطبية، إلى جانب تبادل المحتجزين وبدء حوار مباشر لإنهاء حالة الحرب رسميًا. الرد الإيراني: شروط سيادية ومكاسب إقليمية في المقابل، قدمت إيران رؤية تفاوضية من 10 بنود، ركزت على ضمانات أمنية وسياسية، في مقدمتها عدم التعرض لهجوم مستقبلي، وإنهاء الحرب بشكل دائم بدلًا من وقف مؤقت لإطلاق النار. كما طالبت بوقف الضربات الإسرائيلية في لبنان، وإنهاء الضغوط على حلفائها. اقتصاديًا، تمسكت طهران برفع كامل للعقوبات الأميركية، مع طرح لافت يتعلق بمضيق هرمز، تضمن إعادة فتحه، وفرض رسوم عبور تصل إلى مليوني دولار على كل سفينة، يتم تقاسمها مع سلطنة عمان، واستخدام عائداتها في إعادة الإعمار بدلًا من التعويضات. كما دعت إيران إلى وضع قواعد جديدة لتنظيم المرور الآمن في المضيق، بما يعكس سعيها لإعادة تعريف دورها في أمن الطاقة العالمي. نقاط خلافية وتعقيدات تفاوضية ورغم هذا الحراك، لا تزال هناك فجوات واضحة بين الطرفين، أبرزها ملف تخصيب اليورانيوم، حيث تشير واشنطن إلى غياب هذا البند في النسخة الإنجليزية من الطرح الإيراني، مقابل تضمينه في النسخة الفارسية، ما يعكس تباينًا في الخطاب الموجّه لكل طرف. وتكشف هذه المعطيات عن حجم التعقيد في الملفات المطروحة، حيث لا يمكن اعتبار ما جرى حتى الآن سوى خطوات لبناء الثقة، أكثر من كونه تقدمًا فعليًا نحو اتفاق نهائي. تنازلات متبادلة لفتح باب التفاوض في خلفية المشهد، تشير الوقائع إلى أن كلا الطرفين قدم تنازلات تكتيكية لبدء الحوار. فقد اشترطت إيران وقف الهجمات قبل الدخول في أي مفاوضات، وهو ما قوبل بمطلب أميركي بفتح مضيق هرمز كخطوة أولية. وفي نهاية المطاف، تم التوصل إلى صيغة وسط تقوم على وقف مؤقت لإطلاق النار مقابل فتح المضيق جزئيًا. مفاوضات معقدة في ضوء هذا التباين، يبدو من المبكر الحديث عن انتصارات تفاوضية لأي طرف، إذ إن تصوير ما يجري على أنه تنازل من طرف لآخر يندرج ضمن إدارة الخطاب الداخلي وكسب الحاضنة الشعبية. فالملفات المطروحة شديدة التعقيد، وتمس قضايا سيادية وأمنية واقتصادية عميقة، ما يجعل من هذه المفاوضات اختبارًا حقيقيًا للقدرة على تحقيق توازن دقيق بين المصالح المتعارضة. وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: أي من هذه الملفات يمكن أن يشهد مرونة على طاولة التفاوض؟ ومن الطرف القادر على انتزاع أكبر قدر من المكاسب في واحدة من أكثر المفاوضات حساسية في المنطقة.