ما يميز طرح ملتقى المسؤولية الاجتماعية أنه ذهب في مرئياته إلى بناء منظومة مؤسسية تُنظم هذا المجال، ففي النموذج التقليدي كانت المبادرات تُقاس بحجمها أو انتشارها، بينما في النموذج الذي تسعى الوزارة إلى ترسيخه تُصمم المبادرات وفق أولويات بيئية وطنية، وتُدار ضمن أطر تنظيمية، وتُقاس بنتائجها وأثرها الفعلي، وهنا يكمن الفرق الاستراتيجي.. في عالم أصبحت فيه الاستدامة شرطًا ضمن معادلة البقاء الاقتصادي، تتغير مفاهيم كانت تُعد لعقود خارج نطاق الحسابات الصلبة، وعلى رأسها المسؤولية الاجتماعية، التي أصبحت تدريجيًا جزءًا من بُنية الأنشطة الاقتصادية، وعنصرًا يدخل في قياس الكفاءة، وتقدير العائد، وإعادة تشكيل الأولويات. وامتدادًا لما سبق، يمكن قراءة ما طرحته وزارة البيئة والمياه والزراعة من خلال ملتقى المسؤولية الاجتماعية في قطاعاتها، المنعقد الأسبوع الماضي، برعاية نائب الوزير المهندس منصور بن هلال المشيطي، كمحاولة مؤسسية جادة لإعادة تموضع هذا المفهوم داخل الإطار الاقتصادي، وفي تصوري أن هذا التحول لا يأتي بمعزل عن السياق العالمي، فالاقتصادات باتت تتجه نحو نماذج منخفضة الكربون، مع تصاعد أهمية الاستدامة في سلاسل الإمداد، وتدخل الاعتبارات البيئية ضمن حسابات التنافسية. ما يميز طرح الملتقى أنه ذهب في مرئياته إلى بناء منظومة مؤسسية تُنظم هذا المجال، ففي النموذج التقليدي، كانت المبادرات تُقاس بحجمها أو انتشارها، بينما في النموذج الذي تسعى الوزارة إلى ترسيخه، تُصمم المبادرات وفق أولويات بيئية وطنية، وتُدار ضمن أطر تنظيمية، وتُقاس بنتائجها وأثرها الفعلي، وهنا يكمن الفرق الاستراتيجي. قد يُقرأ البعض ظاهريًا هذا التحول في بُعده "الإجرائي والتنظيمي"، إلا أنه يحمل بعدًا أعمق، يتمثل في إدخال أدوات حديثة تعزز من كفاءة هذه المبادرات، مثل تقارير الاستدامة، ومفاهيم الابتكار في العمل المجتمعي، إلى جانب طرح موضوعات كسوق الكربون، كأحد المسارات التي تتيح للجهات الربط بين الأداء البيئي والقيمة الاقتصادية، ضمن إطار الاقتصاد الأخضر.. لكن الأهم من الأدوات، هو ما يرتبط ببنية العمل ذاتها، فإطلاق 15 شراكة استراتيجية بيئية ضمن الملتقى، يمثل تعاونا بين أطراف متعددة، وتوجهًا نحو إعادة توزيع الأدوار بين مختلف القطاعات. ويبرز في قلب هذا التحول، الدور المؤسسي الذي تقوده الإدارة العامة لمنظمات القطاع غير الربحي، في تنظيم هذا المجال داخل قطاعات الوزارة، إذ أصبحت فاعلًا رئيسيًا في بناء المنظومة، ويمتد دورها إلى تصميم المبادرات، وتوجيهها، ومواءمتها مع الأولويات الوطنية، وقياس أثرها وفق مؤشرات واضحة، وعندما يرتبط هذا التمكين بالقطاع الخاص، تتشكل مساحة جديدة للعمل المشترك، حيث يفتح هذا التداخل بين الأدوار المجال أمام نماذج أكثر مرونة وابتكارًا، قادرة على الاستجابة للاحتياجات البيئية والتنموية بفعالية أعلى. ومن زاوية أخرى، تعكس مؤشرات منصة التطوع للوزارة خلال الربع الأول من عام 2026 بُعدًا مهمًا في هذا التحول، عبر طرح أكثر من 2000 فرصة تطوعية، بمشاركة (37,705) من المتطوعين، وبإجمالي (1.4) مليون ساعة تطوعية، وتُترجم هذه الأرقام إلى عائد اقتصادي يُقدّر بملايين الريالات، وهي تعكس في جوهرها حجم المشاركة، وتسهم قراءة العمل التطوعي ضمن الإطار الاقتصادي، في دعم تنفيذ المبادرات، وتعزيز كفاءتها، وجزءًا من منظومة أوسع يمكن توصيفها ضمن ما يُعرف ب"الاقتصاد الاجتماعي". وفي امتداد عملي لهذا التحول، يأتي إطلاق الوزارة لصندوق نماء الوقفي في فبراير الماضي، ليقدم نموذجًا تطبيقيًا يعزز ما طرحه الملتقى على مستوى المنظومة، إذ لا يُعتبر الصندوق مبادرة تمويلية بقدر ما يُعيد في أصله توظيف الأوقاف كأداة استثمارية ذات أثر تنموي مستدام، من خلال تعظيم العائد الوقفي وربطه مباشرة بالمبادرات البيئية والمائية والزراعية، عبر استثمارات مدروسة تحقق التوازن بين العائد المالي والأثر التنموي. وتتجلى أهمية نموذج الصندوق في إدماج العمل الوقفي ضمن معادلة الاقتصاد المعاصر، عبر شراكات استراتيجية مع جهات مثل الهيئة العامة للأوقاف، وهيئة السوق المالية، بما يضمن الحوكمة والكفاءة والاستدامة، ويفتح في الوقت نفسه مسارًا جديدًا لتمكين القطاع غير الربحي، بإتاحة الوصول إلى أصول استثمارية وفرص تنموية، وتحويل المبادرات إلى مشاريع قابلة للنمو والتوسع، بدل بقائها ضمن نطاق التمويل المحدود أو الموسمي. ما تطرحه الوزارة اليوم في جانب تطوير أدوات المسؤولية الاجتماعية، يُمثل إعادة تموضعها داخل منظومة التنمية الوطنية. ومع هذا التحول، يبرز سؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى، وهو: كيف يمكن تحويل هذه المنظومة الناشئة إلى نموذج مستدام، قادر على إنتاج الأثر، واستمراره، وربطه بعوائد ملموسة؟، الإجابة عن هذا السؤال تكمن في قدرتها على أن تصبح جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد، وهو ما تقوم به وزارة البيئة والمياه والزراعة.. دمتم بخير.