لم يعد رداء المناصب فضفاضًا للغاية، كما كان عليه يوماً، يُسدَلُ ليستر ويحتضن كل العيوب، ويستر تحته هشاشة الكفاءة وضعف الاستحقاق. ذلك الرداء الذي كان يُلبَس بلا مساءلة، ويُمنح أحيانًا بلا معيار ؛ إذ ضاقت مساحته على من لا يليقون به، وأصبح أثقل من أن يحتمله من اعتادوا الاتكاء على الألقاب بدلًا من الجدارة. لم يعُد المنصب مجرد كرسي يُعتلى، بل مسؤوليةٌ تُقاس بقدرة صاحبها على حملها، لا على الظهور بها. ولم يعد الناس يُخدعون ببريق الأسماء، ولا بطنين العبارات المنمّقة، فالبصيرة التي تشكّلت عبر الوعي والتجربة باتت قادرةً على الفرز، تُعطي كلَّ ذي استحقاقٍ حقه، وتلفظ كل من يحاول التسلل إلى الواجهة بغير مؤهّل. لقد أصبح لذلك الرداء صوتٌ، لا يُسمع بالأذن، بل يُدرك بالأثر؛ يضجّ بالشكوى من غُبنٍ ساقه إليه مرتدوه، أولئك الذين أثقلوه بادّعاءات لا تسندها أفعال، وزينوه بألقاب لا تعكس حقيقة ما تحته. وما أقسى أن يتحوّل المنصب من وسيلة للبناء إلى عبءٍ يفضح حامله، ويكشف خواءه أمام الجميع. وفي زوايا المشهد، تتكاثر العقول الجوفاء؛ المستميتة في التَّنصيب على الكراسي الدوارة، تلهث خلف مواقع لا تدرك حقيقتها، وتقف فوق أساساتٍ هشة، تظنّها ثابتة، وهي في حقيقتها أقرب إلى الانهيار. وما أسرع ما ينكشف الزيف حين تُختبر المواقف، فهناك فقط تتعرّى الادعاءات، وتسقط الأقنعة، ويعود كلٌّ إلى حجمه الحقيقي. إن المناصب في جوهرها ليست غاية، بل وسيلة، وليست شرفًا يُطلب لذاته، بل مسؤولية تُؤدى بحقها. ومن أدرك هذه الحقيقة، لم يركض خلفها، بل جاءت إليه مستحقةً، ومن جهلها، ظل يطارد سرابها، حتى يُدركه التعب قبل أن يُدركها. وعلى وجه العموم، فإن المعادلةَ الصحيحةَ لا تحتاج إلى إثباتٍ متكرر، وإن كثرت براهينها؛ فهي قائمة بذاتها، واضحةٌ لمن يُحسن النظر. كذلك الناجحون، لا يضطرون إلى ترديد نجاحهم على مسامع الآخرين، ولا يسعون لافتعال الانتباه نحوهم، لأن أثرهم يتحدّث عنهم، وإن صمتوا، وأعمالهم تشهد لهم، وإن تواروا. في النهاية، يبقى الثابت الوحيد أن القيمة لا تُستمد من الكرسي، بل الكرسي هو الذي يكتسب قيمته ممن يجلس عليه. وبين من يرفع المنصب، ومن يثقل عليه، تُكتب الحكاية… لا بالحروف، بل بالمواقف.