ليست كل النصوص الجميلة صادقة، كما أن الصدق لا يحتاج دائمًا إلى زينة. في كثير مما نقرأ اليوم، تقف اللغة في الواجهة؛ أنيقة، متماسكة، مدهشة في ظاهرها، لكنها أحيانًا تُخفي خلفها فراغًا لا يُرى إلا لمن يقرأ ببطء. البلاغة لم تعد وسيلة للتعبير، بل أصبحت غاية بحد ذاتها. كلمات تُرصّ بعناية، صور تتزاحم، وتشبيهات تتلاحق، وكأن النص يحاول أن يُقنعك بجماله، أكثر مما يحاول أن يُلامسك بصدقه. هنا، تتحول اللغة من جسرٍ إلى المعنى.. إلى حجابٍ دونه. المشكلة ليست في الجمال، بل في أن يصبح بديلاً عن الحقيقة. حين يضع الكاتب كل جهده في «كيف يقول»، وينسى «ماذا يقول؟ يفقد النص توازنه، لأن القارئ، مهما انبهر أولًا، يبحث في النهاية عمّا يشبهه، لا عمّا يُدهشه فقط. وفي زاوية أخرى من المشهد، تقف قضية لا تقل أهمية: غياب المخاطرة. كثير من النصوص تُكتب داخل حدود آمنة، لا تُزعج، لا تُخالف، لا تُغامر. أفكار مألوفة، تُعاد بصياغات مختلفة، لكنها لا تخرج عن المسار المتوقع. الخوف من الرفض أصبح موجّهًا خفيًا للكتابة. الكاتب يفكّر: ماذا سيُقبل؟ ماذا سيُعجب؟ ماذا سيمرّ بسلام؟ وهكذا، تُقصّ أطراف الفكرة قبل أن تولد، ويُهذّب الشعور حتى يفقد حدّته، ويخرج النص.. بلا أثر حقيقي. الكتابة التي لا تُخاطر، لا تُكتشف ، لأنها ببساطة، تبقى في المساحة التي يعرفها الجميع. لا تُضيف، لا تُفاجئ، ولا تفتح بابًا جديدًا للفهم أو الشعور. الجرأة في الأدب ليست صدمة، ولا خروجًا مفتعلًا عن المألوف، بل هي صدق لا يخاف، وفكرة لا تُساوم، وصوت لا يُشبه إلا صاحبه. أن تقول ما تراه، كما تراه، حتى لو لم يكن سهل القبول. ربما لهذا، تبقى النصوص التي نعود إليها.. ليست الأجمل دائمًا، بل الأصدق. تلك التي شعرت وأنت تقرأها أنها لم تُكتب لتُعجبك، بل لتقول شيئًا كان يجب أن يُقال. فاللغة قد تُدهشك لحظة.. لكن الجرأة وحدها، هي التي تبقيك طويلًا وتحافظ على فكرك وفهمك وتجعلك حاضر الأثر.