يقول علماء السلوك: إن الزائر العادي يمنح العمل الفني 27 ثانية فقط من حياته، ثم يمضي. في تلك الثواني الخاطفة، تلتقط العين الألوان، وتتحسس الأشكال، وتسترق النظر إلى البطاقة التعريفية باحثة عن اسم الفنان، وكأنها تؤدي واجباً بصرياً سريعاً. ولكن، ما إن تطأ قدماك حي جاكس في النسخة الثالثة من بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026، حتى تدرك أن هذه القاعدة العالمية قد سقطت؛ حيث استطاع الفضاء الإبداعي ترويض الزمن وتحويل الثواني العابرة إلى دقائق من الاستغراق الذهني، مؤسساً لما نسميه في أدبيات تنظيم المعارض ( اقتصاد التأمل ). لقد واكبتُ من خلال زياراتي مراحل تأسيس وانطلاق هذا البينالي منذ نسخته الأولى عام 2021 بقيادة فيليب تيناري، واليوم، نصل في النسخة الحالية إلى مرحلة تمكين المتلقي بقيادة المديرين الفنيين نورة رازيان وصبيح أحمد؛ حيث لم تعد المستودعات ال 100 مجرد جدران خشنة، بل تحولت برؤية نورة رازيان وفريقها إلى مختبر حي للوعي يكسر هيبة المتاحف التقليدية ويمنح الزائر شعوراً بالأمان البصري. ومن واقع ممارستي الميدانية كمنظمة معارض ومدربة للفنون بصرية، أجد أن النسخة الحالية نجحت في هندسة الانتباه عبر كوريغرافيا بصرية صممها سامي زرقا؛ حيث تتحكم المسارات المتعرجة وتقنية التضييق والاتساع المكاني في أنفاس الزائر، وتجبر حواسه على التباطؤ. وفي (سوالفنا الثقافية) المهنية، دائماً ما نتحاور كمتخصصين حول سر البقاء في العمل الفني، وهو ما نراه اليوم عبر الاستثمار المكثف في (الجلسات الحوارية) التي تقودها نورة رازيان؛ لتصبح الجسر المعرفي الذي يمتد لما وراء «النظر»؛ فالمتلقي الذي ينخرط في حوارات حول أعمال كمالا إبراهيم إسحاق أو زهراء الغامدي، يتجاوز قيد الثواني إلى دقائق من التأمل الوجودي. إن ما يمنح حي جاكس زخمه الحقيقي هو هذا التماهي بين الأعمال المتنقلة للبينالي والمراسم الدائمة لمبدعين مثل أحمد ماطر ونورة بن سعيدان وسلطان بن فهد. هذا النظام البيئي الفني يحول الحي إلى منظومة إنتاج مستدامة؛ وهو المفهوم الذي يتم العمل عليه لرفع القوة الجاذبة للمكان ودعم رواد الأعمال المحليين في منطقة جاكس فليفورز، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030. وبناءً على هذه التجربة، أجدني أدعو لعقد ندوة وطنية موسعةحول (مستقبل تنظيم المعارض الفنية وأثرها الاقتصادي)، لنقل هذه التجارب الميدانية إلى معايير عرض وطنية شاملة، ونناقش كيف نحول المشاهد العابر إلى شريك فكري . لقد أثبتت الدرعية اليوم أن الفن ليس ما نراه فحسب، بل هو القدرة على استيقافنا في زمن متسارع، لنبصر.. لا لننظر فقط. د. زكية الصقعبي