في خضم الأحداث الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يظل الاقتصاد أحد الأدوات المؤثرة في إدارة الأحداث، ومحرك قوي في توجيه التحالفات، وفي خضم توترات الشرق الأوسط لعب التكامل الاقتصادي الخليجي دوراً مهماً في التعاون العام، والاستثمار المشترك مما ساهم في تخفيف حدة التوترات، فيما كانت المملكة القلب المحرك والمشغل الأول في توظيف الاقتصاد الخليجي بكل مقوماته، ومؤسساته، في إدارة الأزمة الحالية، كما لبعت الرياض دوراً مؤثراً في إطلاق مبادرات وتحالفات اقتصادية على خارطة العمل الخليجي. متخصصون في الشؤون الاقتصادية، اعتبروا التكامل والتقارب الخليجي من حيث التكتلات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية، والشراكات الاستراتيجية، والمشاريع العابرة للحدود دروع حقيقة أسهمت في احتواء الأحداث. المحكم الدولي في مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج الدكتور هاشم البو هاشم السيد قال في رده عن سؤال "الرياض" عن أهم العوامل التي تساعد اقتصادات دول الخليج على مواجهة الأزمة الحالية: " اقتصادات الخليج تمتلك أدوات وعوامل قوية لمواجهة الأزمة. ومنها الاحتياطيات المالية القوية في المنطقة بما في ذلك الأصول السيادية الكبيرة، وانخفاض مستويات الدين، والسياسات المالية الحذرة، والأنظمة المصرفية الجيدة، وارتباطها المستقر بالدولار، والتنوع الاقتصادي بعيدًا عن النفط والغاز، والتحول الرقمي والصناعات التكنولوجية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من عناصر الأمن الغذائي. وهي عوامل من شأنها أن تخفف المخاوف المتعلقة بالملاءة المالية لهذه الدول بسبب التوترات. وعن أهم الخطوات التي يجب أن تتخذ لتجاوز مثل هذه التوترات قال البو هاشم :" العمل على تعزيز الأمن الغذائي، وتحويل أجزاء من الفوائض المالية والصناديق السيادية إلى أصول دائمة تغطي السلع والخدمات المستوردة، وتكوين شبكة شحن جوي وبري مشترك، وخلق منافذ بحرية متعددة وعدم الاعتماد على الممر الواحد، والإسراع بمشروع الربط السكك الحديدية، والعمل على الأمن الصحي وصناعة الأدوية والمستلزمات الطبية، والاستثمار في الصناعات التحويلية وإنشاء المناطق الصناعية التي تعزز مكانة الصناعات المحلية، وزيادة التنسيق في مجال الأمن السيبراني وحماية المعلومات، وإقامة سوق خليجي موحد وتعزيز مواطنة السلع، وتقوية القطاع المالي الخليجي وتحصينه ضد الأزمات وإقامة سوق للأوراق المالية يشمل السلع والمعادن والأدوات الاستثمارية والصناديق والسندات والصكوك، وإنشاء مظلة خليجية موحدة لإدارة الأزمات الأمنية والاقتصادية والمالية. ونبه البو هاشم إلى أن من بين أهم التحديات التي تحول دون تحقيق مزيداً من التكامل الاقتصادي الخليجي مجموعة من التحديات الاقتصادية والمؤسسية والجيوسياسية والاجتماعية والديموغرافية. وتتمثل في زيادة الاعتماد على النفط والغاز، وتذبذب أسعار الطاقة، وتأخر العملة الموحدة، وضعف الإنتاج الصناعي. أما التحديات المؤسسية والتنظيمية تأتي في ضعف آليات التنفيذ، وتفاوت التشريعات. وعلى صعيد التحديات السياسية والجيوسياسية تشمل توقيع بعض الدول اتفاقيات تجارية مع قوى خارجية بشكل فردي، وتأثير التوترات الإقليمية والأزمات السياسية على سير العمل المشترك، أما التحديات الاجتماعية والديموغرافية فهي تتمحور في منافسة العمالة الوافدة وصعوبة مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات القطاع الخاص. وبين البو هاشم أن دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الخطوات التي أرست دعائم قوية للتكامل الاقتصادي بين دولها، وتمثل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي اعتمدها قادة دول المجلس في قمتهم الثانية (الرياض 1981) الإطار التنظيمي لتطبيق التكامل الاقتصادي بين دول وشعوب المنطقة. وتم إنشاء منطقة التجارة الحرة عام 1983. وفي قمة مسقط (ديسمبر 2001) جاءت الاتفاقية الاقتصادية بين دول مجلس التعاون لتحل محل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، التي أقرها المجلس في الرياض عام 1981. وتهدف اتفاقية 2001، إلى تحقيق مراحل متقدمة من التكامل الاقتصادي بين دول المجلس ضمن برنامج زمني محدد، ولتحقيق ذلك وضعت الاتفاقية أولويات وأهدافاً لبرنامج العمل الاقتصادي المشترك، ويشمل ذلك الاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والاتحاد النقدي والاقتصادي، وهي مشاريع تكاملية واندماجية رائدة تدفع بعجلة التعاون الخليجي إلى الأمام. وأضاف: "ويُعد إنشاء الاتحاد الجمركي في مطلع يناير 2003، إحدى أهم خطوات التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، ويشكل تحولاً نوعياً في العمل الاقتصادي المشترك، لكونه يقوم أساساً على توحيد التعرفة الجمركية، وإزالة معوقات التبادل التجاري، وتوحيد إجراءات الاستيراد والتصدير، ومعاملة المنطقة الجغرافية للدول الأعضاء كمنطقة جمركية واحدة. وتابع البو هاشم: "أما السوق الخليجية المشتركة التي بدأت أعمالها في مطلع يناير 2008 والتي استهدفت تحقيق المواطنة الاقتصادية لكافة أبناء دول مجلس التعاون، فهي من أهم الخطوات باتجاه تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي. وقد اتخذت العديد من الخطوات نحو تحقيق المواطنة الاقتصادية، وهي التنقل والإقامة، العمل في القطاعات الحكومية والأهلية، التأمين الاجتماعي والتقاعد، ممارسة الحرف والمهن، ممارسة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، تملك العقارات، تنقل رؤوس الأموال، المعاملة الضريبية، تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات، وبين البو هاشم أن المجلس الأعلى وافق في ديسمبر 2001 على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي، والذي يقضي بتطبيق الدولار الأمريكي مثبتاً مشتركاً لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية قبل نهاية 2002، وهو ما تم تطبيقه بالفعل من قبل كافة دول المجلس في الموعد المحدد. كما يقضي البرنامج بأن تتفق الدول الأعضاء على معايير تقارب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي قبل نهاية عام 2005، وذلك تمهيداً لإطلاق العملة الموحدة لدول المجلس. وقال: "تم اعتماد اتفاقية الاتحاد النقدي، التي وضعت الإطار القانوني والمؤسسي للاتحاد النقدي، وحددت مهام المجلس النقدي والبنك المركزي لدول مجلس التعاون الذي سيصدر العملة الموحدة. الدكتور علي الحازمي المتخصص في الاقتصاد الدولي قال: "يعد التكامل الخليجي ضرورة استراتيجية، لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية لدول المجلس. من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي، يمكن لدول المجلس تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة وتعزيز دورها في الساحة الدولية، موضحاً أن من بين الفوائد الاقتصادية والسياسية للتكامل الخليجي في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة، زيادة فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، تعزيز دور دول المجلس في الساحة الدولية، تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التعاون الثقافي والاجتماعي بين دول المجلس. وأكد الحازمي أن التكامل الخليجي أسهم بجلاء في تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية لدول المجلس من خلال توحيد السياسات الاقتصادية، تسهيل حركة التجارة والاستثمار، تعزيز الاستثمار المشترك بين دول المجلس، زيادة حجم التجارة البينية، وتعزيز الابتكار والتكامل المشترك في مختلف المجالات. وأوضح الدكتور الحازمي أن التقارير الحديثة بينت أن التجارة البينية بين دول المجلس بلغت أكثر من 131 مليار دولار في 2023م، فيما تجاوزت التجارة الخارجية 1.5 تريليون دولار، وقال: "أسهم التكامل الاقتصادي في تعزيز متانة الاقتصادات الخليجية وقدرتها على مواجهة الصدمات الخارجية والعالمية". د. هاشم البو هاشم د. علي الحازمي